وكان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكره قال للجارية : قولي له أطلبه في المسجد ، وكان لا يقول : ليس هو هاهنا كيلا يكون كاذبا .
وكان الشعبي يخط خطا ويقول للجارية : ضعي إصبعك فيها وقولي : ليس هو هاهنا . وهذا كله في موضع الحاجة والا فهو مكروه لأنه تفهيم الكذب .
الا أن الحاجة في المعارض خفيفة ؛ كتطييب قلب الغير بالمزاح ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تدخل الجنة عجوز وفي عين زوجك بياض » ؛ « ونحملك على ابن البعير » وما أشبهه .
وأما صريح الكذب مطايبة فليس بفسق ولكنه يترك ، كما يلاعب الناس الحمقاء بتغريرهم بأن امرأة رغبت في تزوجك فإن كان فيه ضرر وايذاء قلب فهو حرام . ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق قولهم : طلبتك مائة مرة ، إذ لا يريد تفهيم المرات بل الكثرة ، فإن طلبه كثيرا لم يأثم . ومن ذلك القبيل قولهم :
لا أشتهيه ، إذا قيل له : كل الطعام ، وهو حرام ان لم يكن فيه غرض صحيح .
ومن الآفات : الغيبة . وقد نص اللّه تعالى على ذمها وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة ، وقد ذمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهي : أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ؛ سواء ذكرت نقصانا في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله وقوله ، أو في دينه ودنياه ، حتى في ثوبه وداره ودابته . ثم إنها لا تقتصر على اللسان بل التعريض فيه كالتصريح ، والفعل فيه كالقول والإشارة والايماء والرمز والغمز والحركة والكناية ، وكل ما يفهم المقصود وكل ذلك حرام . ومن ذلك : ذكر المصنفين شخصا معينا وتهجين كلامه اللهم الا لعذر محوج إلى ذلك .
ومن أخبث أنواعها قول القراء المرائين : الحمد للّه الذي لم يبلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام عند ذكر شخص حاله كذلك ؛ أو يقول نعوذ باللّه من قلة الحياء فإن ذلك ذم الغير مع الرئاء ؛ وكذلك ربما يقول : ما أحسن فلانا لولا تقصيره في العبادات ، ولكنه ابتلى بما ابتلينا ، فيذم غيره ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم ، فيغتاب ويرائي ويزكي نفسه ؛
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 359
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٥٩