وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الإدام على الدوام لئلا تأنس أنفسهم باللذات فيكرهوا الموت ولقاء اللّه .
وينبغي أن يعلم هاهنا أن ما ورد من مدح الجوع تارة والأمر بالاعتدال أخرى لا يتضادان ، بل الطبع المعتدل الأليق به الجوع المفرط ليتعود الاعتدال ، والا فالجوع المفرط في نفسه مذموم ، وانما يمدح لترضي النفس بالاعتدال ، وما وقع في الشرع من الاختلاف فبالنظر إلى اختلاف الطبائع . ولهذا يأمر الشيخ المريد بالافراط في الجوع والاحتماء عن اللذائذ وهو الجوع ويتلذذ بالفواكه ، ومما ينبغي أن يحترز عنه أن يشتهي شيئا ويخفيه عن الناس ، بل الأحب أن يظهرها ، إذ الكذب مع الاخفاء كذبان فيكون مستحقا لمقتين ، ولا يرضى منه الا بتوبتين ، ولذلك شدد أمر المنافقين لأن سره لكفره كفر آخر : استخف بنظر اللّه إلى قلبه ، وعظم نظر المخلوقين . وأن يحترز أن يفرح بترك الشهوة ويشتهر بذلك ، لأنه قد خالف شهوة الأكل وأطاع شهوة هي أشد منها وهي شهوة الجاه ، وذلك كمن هرب عن عقرب إلى حية ، وشهوة الرياء بكثير من شهوة الطعام .
المطلب الثالث في شهوة الفرج
ولها فائدتان :
إحداهما : أن يقيس للذتها لذة الآخرة فيرغب فيها .
وثانيتهما : بقاء النسل ودوام الوجود .
وفيها آفات ان لم تعتدل : أما افراطها بأن يجر إلى اقتحام الفواحش ، أو بأن يصرف همته التمتع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة . وقد ينتهي بطائفة إلى تناول المقويات فيؤدي إلى التنعم ، وبطائفة أخرى إلى العشق وهو غاية الجهل بما وضع له الوقاع ، ويستسخر عقله لخدمة الشهوة وهو مخدوم لها لا خادم ، والعشق مرض قلب فارغ لا همة له .