الأصل الثالث في كسر الشهوتين شهوة البطن والفرج
وفيه مطالب :
المطلب الأول فضيلة الجوع
لا تخفى على أولى الأبصار وقد كثر ذكرها في الأخبار . قال ابن عباس :
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه » ؛ وقال : « لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر الماء » ؛ وقال : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس » .
ثم أن في الجوع عشر فوائد : الأولى : صفاء القلب ونفاذ البصيرة ، فان الشبع يورث البلادة بالأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ ويعمى القلب .
الثانية : رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لأدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر .
الثالثة : الانكسار والذل وزوال الفرح والبطر والأشر الذي هو مبتدأ الطغيان والغفلة عن اللّه ، ولا تنكسر النفس ولا تذل كما تذل بالجوع ، فأن عنده يتمسكن لربه ويخشع له ، ويقف على عجزه وذله لما ضاقت حيلته بلقمة طعام فاتته وأظلمت عليه الدنيا بشربة ماء تأخرت عنه .