وتظهر اثنتان . وكان عظيم المنكبين أشعرهما ضخم الكراديس ، أي : رؤوس العظام من المرفقين والوركين . وكان واسع الظهر بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو مما يلي منكبه الأيمن فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها عرف فرس . وكان عبل العضدين والذراعين طويل الزندين رحب الراحتين سائل الأطراف .
وكانت أصابعه قضبان الفضة وكفه ألين من الحرير ، وكأن كفه كف عطار طيبا مسها أو لم يمسها ، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها ، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها على رأسه .
وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذ والساق ، وكان معتدل الخلق في سمن بدن في آخر زمانه ، وكان لحمه متماسكا يكاد يكون على الخلق الأول لم يضره السن ، وكان يمشي كأنما ينقلع من صخر ويتحدر من صبب ، يخطو تكيفا ويمشي الهوينا بغير تبختر ؛ والهوينا : تقارب الخطى .
وأما معجزاته وآياته فخارجة عن حد العد والاحصاء ، سيما المعجزة الكبرى الباقية إلى آخر الدهر تحدى بها بلغاء عدنان وفصحاء قحطان ، وجزيرة العرب مملوءة بالآلاف منها ، ونادى بين أظهرهم بأن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله أن شكوا فعجزوا عن ذلك عن آخرهم ، حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم وذراريهم للسبي ، فما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في حسنه وجزالته .
ثم انتشر ذلك بعده صلى اللّه عليه وسلم في أقطار العالم شرقا وغربا ، قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر ، فلم يقدر أحد على معارضته . فأعظم بحمق من رأى معجزاته وأخلاقه وآدابه ، ثم في استمرار شرعه إلى قريب من خمسين وتسعمائة ، ثم في انتشاره في أقطار العالم واذعان ملوك الأرض في عصره وبعد عصره والمدة ما ذكر ، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه وخلود شرعه إلى انقراض الدنيا . فنسأل اللّه أن يوفقنا للاقتداء به في الأخلاق والأقوال والأفعال والأحوال ، أنه الكريم ذو الجلال وهو العليم بكل الحال بمنه وجوده .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 322
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٢٢