أكمل من ذلك في موضعه . فلئن قال : أن
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
، أبلغ من
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
، بجعل المقابلة بين ذكر اللّه وذكر أبي لهب ، وبين التوحيد والدعاء على الكافر ، وذلك غير صحيح ، بل ينبغي أن يقال : « تبت يدا أبي لهب » ، دعا عليه بالخسران ، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه ، وكذلك في :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
، لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها . فالعالم إذا نظر إلى
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
في باب الدعاء بالخسران ، ونظر إلى
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
في باب التوحيد ، لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر . انتهى .
قلت : كلام الخولي لا يدل على نفي التفاوت في البلاغة ، وجهة المطابقة لمقتضى الحال ، ولا يلزم منه نفي الفضيلة من جهة أخرى ، من حيث شرف المدلول وشرف الثواب ، وغير ذلك .
وقال الحليمي ، ونقله عن البيهقي : معنى التفضيل يرجع إلى أشياء :
أحدها : أن يكون العمل بآية أولى من العمل بأخرى وأعود على الناس .
وعلى هذا يقال : آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد ، خير من آيات القصص ، ( لأنها انما أريد بها تأكيد الأمر ، والنهي والانذار ، والتبشير ، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور ، وقد يستغنون عن القصص ) ، فكان ما هو أعود عليهم ، وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرا لهم مما يجعل تبعا لما لا بد منه .
والثاني : أن يقال : الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء اللّه ، وبيان صفته ، والدلالة على عظمته ، أفضل ، بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا .
الثالث : أن يقال : سورة خير من سورة ، أو آية خير من آية ، بمعنى أن القارئ يتعجل فيها بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ، ويتأدى منه بتلاوتها عبادتها ، كقراءة آية الكرسي والاخلاص والمعوذتين ، فان قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى ، والاعتصام باللّه ، ويتأدى بتلاوتها عبادة اللّه ، لما فيه من ذكره سبحانه بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل