ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن من النبي صلى اللّه عليه وسلم :
واللّه ان لقوله الذي يقول حلاوة ، وان عليه لطلاوة ، وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وأنه ليعلو وما يعلى ، وأنه ليحطم ما تحته .
وكانوا مرة بجهلهم يقولون : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، مع علمهم بأن صاحبهم أمي ، وليس بحضرته من يملي أو يكتب ، في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز .
ثم قال : وقد قلت في ( أعجاز القرآن ) وجها ذهب عنه الناس ، وهو صنيعه في القلوب ، وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع غيره ، وقد خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ، ومن المهابة والروعة في حال آخر ، ما يخلص منه واليه .
وتلخيص الكلام أن وجه الأعجاز : أما الايجاز مع البلاغة ؛ أو البيان والفصاحة ؛ أو الرصف والنظم ؛ أو كونه خارجا عن جنس كلامهم ، مع كون مفرداته منه ؛ أو كون قارئه لا يكل ، وسامعه لا يمل ، وان تكررت عليه تلاوته ؛ أو ما فيه من الأخبار عن الأمور الماضية أو المستقبلة ؛ أو جامعا لعلوم يطول شرحها ويشق حصرها ؛ أو جميع ما سبق من الأقوال ؛ أو كونه غضا طريا في الأسماع والألسنة ؛ أو جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة مع تضادهما وعدم جمعهما في كلام البشر ؛ أو جعله آخر الكتب ، غنيا عن غيره ، واحتياج ما تقدم إليه ؛ أو ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة والتحدي .
ثم أنهم اختلفوا في القدر المعجز منه . ذهب بعض المعتزلة إلى أنه يتعلق بجميعه ، وهذا مردود بنظم القرآن ، وهو التحدي بأقصر سورة منه ، وقال القاضي بسورة طويلة كانت أم قصيرة . وقال ( في موضع آخر ) : يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام . وقال قوم : لا يكون الاعجاز إلا بآيات كثيرة . وقال آخرون : يتعلق بقليله وكثيره . وهو الأصح .
ثم اختلفوا ، قال القاضي : كل كلمة فيه في الذروة العليا من البلاغة .
واختار أبو نصر القشيري وعز الدين بن عبد السلام التفاوت ، بل فيه الفصيح والأفصح .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 486
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٨٦