تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
وهي أما حسية ، كأكثر معجزات بني إسرائيل ، وذلك لبلادتهم وقلة بصيرتهم ؛ أو عقلية ، كأكثر معجزات هذه الأمة ، وذلك لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم ، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة ، خصت بالمعجزة العقلية الباقية ، ليراها ذو والبصائر . ثم أعلم أن اللّه تعالى بعث نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشد ما كانت عدة . فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته . فدعاهم بالحجة ، فلما قطع العذر وأزال الشبهة ، جنحوا إلى الحمية والجهل ، حتى خاطر وأمهجهم بالسيوف ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه ، فتحداهم أولا على أن يأتوا بمثله ، وأمهلهم طوال السنين . ثم تحداهم بعشر سور منه ، فلما عجزوا عنه ، تحداهم بسورة ، فلما عجزوا عن ذلك أيضا نادى عليهم باظهار العجز وأعجاز القرآن ، فتكشف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة ، قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف ، قال : فهاتوها مفتريات ، فلم يرم ذلك خطيب ، ولا طمع فيه شاعر ، فدل ذلك العاقل على عجز القوم ، مع كثرة كلامهم ، واستحالة لغتهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم ، وكثرة من هجاه منهم ، مع أن العرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة ، والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور . ثم تحدى به أقصاهم بعد أن عجز أدناهم . فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ المكشوف البين ، مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشد الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيد علمهم ، وقد احتاجوا اليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر . ولما ثبت كون القرآن معجزة ، وجب معرفة وجه الأعجاز . فزعم قوم أن التحدي وقع بالقرآن القديم ، وهو مردود ، لأن من لا يوقف عليه ، لا يتصور التحدي به . وزعم النظام بالصرفة : أي صرف اللّه العرب عن معارضته ،