تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥

النوع التاسع عشر : الاستقصاء .

وهو أن يتناول المتكلم معنى ، فيستقصيه ، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه ، بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية ، بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا ، كقوله تعالى :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ . . .
الآية « 1 » ، إذ لو اقتصر على قوله : جنة ، لكان كافيا ، إلا أنه وصفها بالنخيل والأعناب ، فإن مصاب صاحبها بها أعظم ؛ ثم تمم هذا الوصف بقوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
؛ ثم كمل وصفها بعد التتميمين ، فقال :
لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
، فأنى بكل ما يكون ، ليكون أسف من أفسدها أشد ؛ ثم وصف صاحبها بقوله :
وَأَصابَهُ الْكِبَرُ
، ثم استقصى المعنى بما يوجب تعظيم المصاب ، بقوله تعالى
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ
؛ ثم وصفها بالضعاف ؛ ثم ذكر استئصال الجنة بالهلاك في أسرع وقت ، فقال :
فَأَصابَها
ثم زاد قوله :
فِيهِ نارٌ
؛ ثم رد احتمال ضعف النار ، فأخبرنا باحتراقها دفعا لما يتوهم من احتمال ضعف النار ، أو منع الأنهار ، ورطوبة الأشجار ، تأثيرها ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله :
فَاحْتَرَقَتْ
. فهذا أحسن استقصاء في كلام وأتمه وأكمله . قال ابن أبي الأصبغ : والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل ، أن التتميم يرد على المعنى الناقص ، والتكميل على التام ، والاستقصاء على التام الكامل .

النوع العشرون : الاعتراض ؛ ويسمى التفاتا .

وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الأعراب في أثناء كلام أو كلامين ، اتصلا معنى ، لنكتة غير دفع الإبهام ، نحو :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
« 2 » ، فجملة الاستثناء اعتراض للتبرك . وقد يكون الاعتراض بجملتين أو أكثر ، حتى أن في قوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
، إلى قوله
مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ
« 3 » ، اعتراض بسبع جمل ، ومن وقوع اعتراض في اعتراض ، قوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 266 . ( 2 ) سورة الفتح ، آية : 27 . ( 3 ) سورة الرحمن ، الآيات : 46 - 54 .