الآجلين ، فلما نالهم المدد تسنّت للإسلام مناهج ، ووضحت للسعادة مباهج ، وتألّفت في الإقدام مقدّمات ونتائج المناهج ، والتأمت في مدّ الرحال مدارج ، واتفقت حسنات ، وحسنت اتفاقات ، وكانت لنا كسرات ، ولأعدائنا مساءات » .
« وساعدت الأقدار وتباعدت الأكدار ، كلما حلّوا ردّوا وأرادوا ، وكلما ساروا وشدّوا أسروا وشدّوا وناسبهم النشاب ، فعادت أسودهم قنافذ ، وسابقتهم السهام ، فوسّعت فيهم الخرق النافذ ، واستعملت الكفيات ، الصريزايات « 1 » فمطرت عليهم البنادق والحجارات ،
كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ، وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
[ البقرة : الآية 19 ] » .
« فصار حسب حالهم
ما يَنْظُرُونَ ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
[ سورة يس : الآيتان 49 - 50 ] ، وحلّ بهم الصغار ، والذلة والدمار ، فأووا إلى جبل ليعصمهم من طوفان الدمار » .
« فمنّ اللّه علينا بالفتح الجميل ، وأيدنا من عنده بالنصر الجليل ، فزلّت أقدامهم ، وولّت أعلامهم ، وانحلّ عقدهم ، وانفكّ حدّهم ، وانتكس تدبيرهم ، وانعكس تقديرهم ، فما بقي من تلك الآلاف آحاد ، وما نجا من هذه الأعداد أعداد ، فعاد مجروحا بجراحات مؤلمة في عدد يسير ، عاجزين حائرين خائبين خاسرين » .
« وبعد ما رجعوا على هذه الحالة التي زيدت ، والصفة التي ذكرت ، لم تثبت في بقعة أقدامهم ، ولم تخفق لوقفة أعلامهم ، بل رأوا النجاة من أيدي الرزايا ، والخلاص من حبائل المنايا ، والخروج عن الولايا ، فخرجوا عنها هاربين ، وللنجاة طالبين ، وقطعوا المنازل ، وطووا المراحل ، وتركوا الدواب والرحال ، وطرحوا الأحمال والأثقال ، وعدوا فراسخ الفرار ، وإن امتدّت خطوة ، وأيام الهرب ، وإن طالت لمحة ، وهذه حالهم ، وشر منا ما لهم ، لا يحميه جار ، ولا تأويه دار ، وكل ذلك عاقبة الظالمين ، والحمد للّه رب العالمين » .
« فأما من أسر فلم يكف أطناب الخيام لقيده وشدّه ، وأما من قتل فلقد حصرت الألسن عن حصره وعدّه ، فلم تقع عين إلا على أشلاء طريحة ، وأعضاء جريحة ، وأصابع مقصومة ، وأشاجع مفصومة وصدور مدصوصة ، ونحور مبصوصة ، وأجساد منصفة ، وأعضاد منصفة ، وصارت تلك المعركة بالدماء دارا ، وعادت الغبراء حمراء ، وجرت أنهار الدم النهر ، وسقى بتلك الخبائث وجه الدين المطهر » .
هامش
( 1 ) الصريزايات : لعلها « الطبرزينات » وهي من أنواع الأسلحة القديمة .