تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاكهة الخلان في حوادث الزمان — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
البلية ، وكتبنا إليه كتابا مستطابا ، متضمّنا للنصيحة والموعظة ، فأمرنا فيه أن يتوب من جرائمه وجرائره ، ويستغفر لصغائره وكبائره ، ويغيّر ما تعوّد في الأيام الماضية ، والأعوام الخالية ، من سوء الاعتقاد ، وتعذيب العباد ، والفعل اللئيم ، والخلق الذميم ، فقلنا :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
[ سورة يس : الآية 18 ] وأوضحنا المعالي المنيفة باللفظ الوجيز ، فما وفّق لذلك ، والتوفيق عزيز » . « فسرت مستعينا باللّه إلى دياره وبلاده ، مصممّ العزيمة على قتاله وجلاده ، فمادت الأرض بحركتنا ، وغامت السماء من غبرتنا ، واضطربت السهول والوعوث والدغوث ، وانبعثت الهمم وهجم البعوث ، والعسكر في كل يوم يعدون ويغتدون ، وفيما يجدون الطريق إليه من النكاية في العدو يمدّون ويجيدون » . « فلما بلغ السير إلى بلدة سيواس ، صانها اللّه من الاندراس ، عرضنا عساكرنا المنصورة ، وكان عرضها مذكرا ليوم العرض ، ومن شاهدها تلا :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ سورة الفتح : الآية 4 و 7 ] ، فرأينا أن الأرض شاكية من إجحاف الجحافل ، فانتخبنا منها الأنجاد ، وجدّدنا الجدود ، واستجدنا الجياد ، وأعدنا ما وراء البحر بقيّة الأجناد » . « ثم ارتحلنا منها في جنود محسورة وبنود منشورة ، للعدوّ طالبا ، وبالعزم غالبا ، وللنصر صاحبا ، ولذيل العزّ ساحبا ، فنزلنا على بلدة أزرنجان فطار الخبر إليه ، فطار قلوب من معه رعبا وطاشت ، وخضعت أفئدتهم خوفا من جيش الإسلام وجاشت » . « وأرسلنا إليه منها كتابا آخر ، داعيا للطعن والضرب ، مستدعيا منه المقارعة والحرب ، ومن موضع آخر كتابا رصيف المباني ، مؤكدا للأول والثاني ، وأردفنا رسولا برسول ، وألزمناه القتال بمعقول ومنقول
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ
[ سورة يس : الآية 14 ] . « فسرنا منها نحو سرير ملكه شهرا ، وبدلنا ثياب العهود سرّها جهرا ، وخطبنا من اللّه الكريم بكر فتح ، وجعلنا بذل المهج لها مهرا ، وصار العدوّ المخذول في هذه الأيام يطوف حول القرى من قرية إلى أخرى ، بحيث لا يعرف شأنه ولا يعلم مكانه » . « فإذا بلغنا المنازل القريبة من بلدة تبريز ، دعته الضلالة إلى المكابرة بحسه ، وخطاره بنفسه ، عين لجنوده ، وثبت وفوده ، وبل ندى جموعه ، وصبّ عليهم ماء دروعه ، فسار بكثرة وقلّه ، وجزئه وكله ، وجاء والإدبار قائده ، والخذلان رائده ، موضعا يسمى بخالدران ؛ فاختاره
مفاكهة الخلان في حوادث الزمان — صفحة 355 | خليل المنصور / محمد بن طولون الصالحي