حنتني حانيات الدهر حتّى * كأنّي خاتل أدنو لصيد
قربت الخطو يحسب من رآني * ولست مقيدا أنّي بقيد
وهذا من قول شيخ مرّ به غلام فقال : يا عمّاه قد قصر قيدك ، فقال : تركت الذي قيّدني يقتل قيدك .
وقال ديك الجن :
نهنهت الخمسون من شدّتي * وضيقت خطوي بعد اتساع « 1 »
وأتحفتني خورا ظاهرا * وكنت قبل الشيب عين الشّجاع « 2 »
تعترف النفس ببعض القوى * فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر إنسان التي فوقها * والموت قد يودي بمن في الرّضاع
وكان أبو محلم لما كبر ينشد :
إذا ما امرؤ أحصى ثمانين حجّة * وعاش ، تشكّى كلّ عضو ومفصل
وقد أحسن القائل :
قالوا أنينك طول اللّيل يسهرنا * فما الذي تشتكي قلت الثّمانينا
المشيب مؤذن بالموت
قيل : المشيب تمهيد الحمام وتاريخه وعنوانه ورائده ونذيره . وقيل : الشيب مقوّض الخيام ومقيض الحمام . وقيل : هو أول مواعيد الفناء وقيل : هو واعظ نصيح ومنذر فصيح .
وقيل : هو لمحة من لمحات المنون ونوبة من نوب الدهر الخئون . وقيل : في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
« 3 » والنذير الشيب .
وقيل : إذا ضحك الشيب في القذال « 4 » بكت الحياة للزوال .
ونظر حكيم إلى شيبه فقال أرى شيبة قد أينع ثمرها وحان قطافها .
وأظرف ما قيل في ذلك قول منصور :
من شاب قد مات وهو حيّ * يمشي على الأرض وهو هالك
لو كان عمر الفتى حسابا * لكان في شيبه فذلك
وقال :
الشيب والموت مقرونان في قرن
ونظر فضيل إلى رجل قد وخطه الشيب فقال : اتّق اللّه فإنّ الموت قد غرز أعلامه في
هامش
( 1 ) نهنهه : جعله يكفّ ، زجره .
( 2 ) الخور : الضعف .
( 3 ) القرآن الكريم : فاطر / 37 .
( 4 ) القذال : ما بين الأذنين في مؤخر الرأس .