وقيل : العزلة توفر العرض وتستر الفاقة ، وترفع ثقل المكافأة . وقيل : ما احتنك أحد قطّ إلا أحبّ الخلوة .
وقيل توحّد ما أمكنك فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل .
وقال حكيم : العاقل مستوحش من زمانه منفرد عن إخوانه . وقيل : استوحش من النّاس كما تستوحش من السبع .
وقال الجنيد دخلت على السري فقلت أوصني فقال : لا تكن مصاحبا للأشرار ولا تشتغل عن اللّه بمجالسة الأخيار .
وقيل لذي النون رحمه اللّه : متى أقوى على عزلة الأخيار ؟ فقال : إذا قويت على عزلة النفس . قيل : ومتى يصح الزهد ؟ قال : إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك .
من أنس في الخلوة بالعبادة والقراءة
قال حاتم الأصم : الزم بيتك فإذا أردت الصاحب فاللّه يكفيك ، وإن أردت الرفيق فرفيقاك رقيباك ، وأن أردت أنيسا فالقرآن يؤنسك ، وذكر الموت يعظك :
تركت الأنس بالأنس * فما في الأنس من أنس
وأقبلت على القرآ * ن درسا أيّما درس
عسى يؤنسني ذاك * إذا استوحشت في رمسي
ذمّ الخلوة والوحدة
قيل : أجهل الناس من استأنس بالوحدة واستكثر من الخلوة . وقيل : إيّاكم والعزلة فإن في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتعظا واسعا ، فإن البيت رمس ما لزمته .
وحدة الإنسان خير * من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير * من جلوس المرء وحده
وفي الحديث : المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس .
الشكوى من ذهاب النّاس
دخل عبيد اللّه بن شبرمة على معاوية وقد أتت عليه مائتان وعشرون سنة ، فقال له : يا عبيد ما شهدت من الزمان وما أدركت ؟ فقال : أدركت الناس يقولون ذهب الناس ذهب الناس فلا مرتع ولا مفزع ، وقيل ما بقي من الناس إلا كلب نابح أو حمار رامح أو أخ فاضح .
وكانت عائشة تنشد قول لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلد كجلد الأجرب