قال السريّ :
وليس يكون المرء سلم صديقه * إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف
* حمد من يصاحب منهم أعداءك
قال ابن المقفع : إذا رأيت صديقك مع عدوّك فلا يوحشنّك ذلك ، فإنما هو أحد رجلين إذا كان من إخوان الثقة فانفع مواطنه قربه من عدوّك شرّ يلفّه وعورة يسترها وغائبة يطلع عليها ، وإن كان غير ثقة فهو أولى « 1 » به فهبه له .
* مدح رفض الحشمة بين الأصدقاء
قال علي رضي اللّه عنه : شرّ الإخوان من يحتشم منه ويتكلّف له . قال العرجيّ الصوفي : إذا صحّ الود سقطت شروط الأدب . وقال الحسن بن وهب : اعلم أن المودة لا تتم ما دامت الحشمة عليها مسلّطة .
وقال بعضهم : أسقط عن نفسي نصف همّ الدنيا بعشرة من لا أحتشمه ، وقال الجنيد رضي اللّه عنه لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف اللّه منك .
* ذمّ فرط الانبساط
قيل : صن الاسترسال منك حتى تجد له مستحقا ، واجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك . وقال جعفر بن محمد : إيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال .
في كتاب كليلة ودمنة : بعض المقاربة حزم وكل المقارنة عجز ، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها وتفرط في الإمالة فيرتد ظلّها .
وقال أكثم : الانقباض « 2 » عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، أخذه الحارث . فقال :
إذا ما عممت النّاس بالأنس لم تزل * لصاحب سوء مستفيدا أو كاسبا
فإن تقصهم أرموك عن ظهر بغضة * فكن خلطا إن شئت أو كن مجانبا « 3 »
ولا تنتبذ عنهم ولا تدن منهم * ولكنّ أمرا بين ذاك مقاربا « 4 »
وقال : إذا أقبل عليك مقبل بودّه فسرّك أن لا يدبر عنك ، فلا تكثر الإقبال عليه ، فالإنسان من شأنه التباعد ممن قرب منه ، والدنوّ ممّن يتباعد منه .
مباسطة الكرام والانقباض عن اللئام
وما لي وجه في اللئام ولا يد * ولكنّ وجهي في الكرام عريض
هامش
( 1 ) أولى به : أجدر به ، أحق به .
( 2 ) الانقباض عن الناس : اعتزالهم والانكماش عنهم .
( 3 ) إن تقصهم : أن تبعدهم .
( 4 ) تنتبذ عنهم : تبتعد عنهم - الكاشح : العدوّ المبغض - الصرم : القطيعة والهجر .