( 2 ) ومما جاء في النّدام والنّدماء والسّقاة
وجوب حقّ المنادمة وذكر من عظّم نديمه
روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم ير مادا رجليه بين يدي جليس له قط ، ولا أخذ بيد أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لجليسي عليّ ثلاث ، أرميه بنظري إذا أقبل وأوسع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدّث . قال شاعر :
أرى للكاس حقّا لا أراه * لغير الكاس إلا للنّديم « 1 »
وقال الجاحظ رويت هذا البيت دهرا لا أعرف له ثانيا ، فسمعت يوما حماميا يوقد أتونه وينشد معه :
هو القطب الذي دارت عليه * رحى اللذات في الزّمن القديم
وقال سعيد بن حميد :
الكاس حرمتها أولى من النسب « 2 »
وقال حصابة : إن المنادمة الرضاع الثاني . وكان القعقاع إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه ، جعل له نصيبا من ماله وأعانه على عدوه وشفع له في حاجته وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له ، وفيه يقول :
وكنت جليس قعقاع بن شور * ولا يشقى بقعقاع جليس
قال يحيى بن أكثم : ما رأيت أكرم من المأمون بتّ عنده ليلة فعطش فكره أن يصيح بالغلمان ، وكنت منتهبا فرأيته قد قام فمشى قليلا إلى البرادة حتى شرب ورجع . ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال يسدّ فاه بكمه كيلا انتبه .
الانخراط في سلك الشّرب والصّحب
جلس المتوكل مع جماعة ، وفيهم يحيى بن أكثم ، فلما شرب الناس ثلاثة أرطال ، أمر يحيى بالانصراف ، فقال له : ولم يا أمير المؤمنين ؟ فقال لأنا قد خلطنا ، فقال : أحوج ما يكون إلى قاض إذا خلطتم ، فاستظرفه المتوكل وأمر أن تغلف لحيته بالغالية ، ففعل ، فقال : ضاعت الغالية وكان هذا يكفيني دهرا ، فأمر بزورق من الغالية ودرج بخور ، فجعلا في كمّه .
طيب المدام بطيب النّدام
قيل لأعرابي كم تشرب من النبيذ ؟ فقال : مقدار النديم
هامش
( 1 ) النديم : المصاحب في الشراب - وهو حق للنديم : أي تعظيم له .
( 2 ) أولى من النسب ، وقيل أدلى من النسب أي يتوسل بها عن النسب ، والأرجح في رأينا أولى من النسب .