وقال آخر :
كرام نقصت النّاس لمّا بلغتهم * كأنّهم ما جفّ من زاد قادم
قصد من طاب في فنائه الزمان والحياة
وقال ابن الرومي :
أريد مكانا من كريم يصونني * وإلّا فلي رزق بكلّ مكان
وقال المتنبّي :
وما رغبتي في عسجد أستفيده * ولكنّها في مفخر أستجدّه « 1 »
وله :
إذا نلت منك الجاه فالمال هيّن * وكلّ الذي فوق التّراب تراب « 2 »
من قصد سلطانا سائلا لقومه
أتى عبد العزيز بن زرارة باب معاوية ، فلما أذن له وقف بين يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين دخلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر ، ورأيت قوما أدناهم منك الحظ وآخرين باعدهم منك الحرمان ، فليس للمقرب أن يأمن ولا للمبعد أن ييأس .
وقال زياد بن أبيه : أشخصت قوما إليك الرغبة وأعقدت آخرين عنك المعاذير ، وقد جعل اللّه في سعة فضلك ما يجير المتخلف ويكافئ الشاخص ، والخير دليل على أهله ، والخصب منتجع في مظانّه .
وقيل : أصاب القوم مجاعة في عهد هشام فدخل إليه وجوه الناس من الأحياء ، وفي جملتهم درواس بن حبيب العجلي وعليه جبة صوف مشتمل عليها بشملة قد اشتمل بها الصماء ، فنظر هشام إلى حاجبه نظر لائم في دخول درواس إليه ، وقال : أيدخل عليّ كل من أراد الدخول . وكان درواس مفوّها فعلم أنه عناه ، فقال درواس : يا أمير المؤمنين ما أخلّ بك دخولي عليك ولقد شرفني ورفع من قدري تمكني من مجلسك ، وقد رأيت الناس دخلوا لأمر أعجموا عنه ، فإن أذنت في الكلام تكلّمت ، فقال هشام : للّه أبوك تكلّم ، فما أرى صاحب القوم غيرك ، فقال : يا أمير المؤمنين تتابعت علينا سنون ثلاث ، أما الأولى فأذابت الشحم ، وأما الثانية فأكلت اللحم ، وأما الثالثة فانتقت المخ ومصت العظم ، وللّه في أيديكم أموال ، فإن تكن للّه فاعطفوا بها على عباد اللّه ، وإن تكن لهم فعلام تحبسونها عنهم ، وإن تكن لكم فتصدقوا بها عليهم فإن اللّه يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين . فقال هشام : للّه أبوك ما تركت واحدة من ثلاث ، وأمر بمائة ألف دينار فقسمت في الناس ، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ألكل رجل من المسلمين مثلها ، قال : لا ولا يقوم بذلك بيت المال ، فقال : لا حاجة لي فيما
هامش
( 1 ) العسجد : الذهب والجوهر .
( 2 ) قوله : كل الذي فوق التراب تراب أي لا قيمة له .