ذريني أكثر حاسديك برحلة * إلى بلد فيه الخصيب أمير « 1 »
فتى يشتري حسن الثناء بماله * ويعلم أن الدائرات تدور « 2 »
فما جازه جود ولا حلّ دونه * ولكن يسير الجود حيث يسير
من يهين أو يكرم مركوبه إذا بلغ مطلوبه
وقال الشمّاخ :
إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين « 3 »
قد استقبح الناس هذا المعنى ، وقالوا : بئسما جازاها . وهذا مثل ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم للمرأة التي ركبت بعير النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتخلصت به ، فقالت : يا رسول اللّه إني نذرت إن خلصني اللّه به لأنحرنّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : بئسما جازيته لا نذر في مال غيرك .
وقال أبو نواس معارضا للشمّاخ :
أقول لناقتي إذ بلّغتني * لقد أصبحت عندي بالثمين
فلم أجعلك للغربان نحلا * ولا قلت أشرقي بدم الوتين
وقال آخر :
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا * فظهورهنّ على الرجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الثّرى * فلها علينا حرمة وذمام « 4 »
من ذكر أنه تحمّل تعبا في قصد معتفاه
دخل رجل على معاوية ، فقال : هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معولا إلّا عليك ، أمتطي إليك بعد النهار واسم المجاهل بالآثار ، يقودني نحوك رجاء ويسوقني إليك بلاء ، والنفس مستبطئة والاجتهاد عاذر إذا بلغتك فقط ، فقال : احطط رحالك وقوّ آمالك وكن على ثقة بالإنصاف والإسعاف .
وقدم وفد بني تميم على عبد الملك وفيهم عمرو بن عتبة ، فقال : يا أمير المؤمنين نحن من نعرف وحقّنا لا ينكر ، وجئناك من بعيد ونمت بقريب وما تعطينا من خير فنحن أهله ، وما ترى من جميل فأنت أصله ، فضحك عبد الملك ، وقال : يا أهل الشأم هؤلاء قومي وهذا كلامهم .
هامش
( 1 ) الخصيب : أحد ولاة مصر .
( 2 ) الدائرات تدور : كناية عن تقلّب الدهر من حال إلى حال .
( 3 ) دم الوتين : دم شريان في القلب إذا انقطع مات صاحبه .
( 4 ) خير من وطئ الثرى : المقصود النبي صلّى اللّه عليه وسلم .