ووجدتها محتاجة * فوهبت لذّتها لها
كون الدنيا عبدا لمن زهد فيها
قال زاهد لملك : أنت عبد عبدي لأنك تعبد الدنيا لرغبتك فيها ، وأنا مولاها لرغبتي عنها وزهدي فيها . ويقوي ذلك ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن اللّه أمر الدنيا فقال : من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه . وقيل : من زهد في الدنيا ملكها ومن حرص عليها أملكها . وقال الحسن رضي اللّه عنه : أهينوا الدنيا فو اللّه لأهنأ ما تكون حين تهان .
وقال أبو العتاهية :
أرى الدنيا لمن هي في يديه * عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر * وتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعة * وخذ ما أنت محتاج إليه
الحثّ على التوكّل في أمر الرزق وترك الحرص
قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : إن في القرآن آية لو أن جميع الناس أخذوا بها لكفتهم في القناعة . قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
« 1 » .
وسئل بزرجمهر عن الرزق ، فقال : إن كان قد قسم فلا تعجل وإن كان لم يقسم فلا تتعب . وقال الحسن رضي اللّه عنه : الحريص الجاهد والقنع الزاهد كلاهما مستوف حظّه ، وأكله غير منتقص ما قدر له ، فعلام التهافت في النار ؟
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لو توكلتم على اللّه حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا « 2 » وتروح بطانا « 3 » . وقيل للحارث كيف قال ذلك والطير تغدو في طلب الرزق وتروح ؟ فقال : مهلا إن الطير يأخذ في الحوصلة وأنت لا تقنع بذلك ، مع أن الطير لم يخاطب بالضمان منه لرزق ولم ينزل عليه كتاب .
وقال سهل بن وهبان : لا تكونوا للمضمون مهتمين . وقال أعرابي لآخر رآه حريصا :
يا أخي أنت طالب ومطلوب ، يطلبك طالب ولن تفوته وتطلب ما كفيته كأنك لم تر حريصا محروما ولا زاهدا مرزوقا .
وقال آخر : إنك لا تدرك أملك ولا تسبق أجلك ولا تغلب على رزقك ولا تعطي حظ غيرك ، فعلام تهلك نفسك ؟ لكل صباح صبوح ولكل عشاء عشاء . وفي بعض كتب اللّه : يا ابن آدم لو أن لك الدنيا كلها لم تنل منها إلا القوت فإذا أعطيتك القوت ، وجعلت حسابه على غيرك ألم أكن محسنا إليك .
هامش
( 1 ) القرآن الكريم : الطلاق / 3 .
( 2 ) خماصا : أي ضامرة البطن من الجوع .
( 3 ) بطانا : أي ممتلئة البطن .