تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ، وقال ابن أبي عيينة :
لا تشعرنّ قلبك حبّ الغنى * إنّ من العصمة أن لا تجد كم واجد أطلق وجدانه * عنانه في بعض ما لم يرد « 1 »
وقال الحسن رضي اللّه عنه : ما بسط اللّه على أحد دنياه إلّا اغترارا ، ولا طواها عنه إلا اختبارا . وقال بعضهم : نعمة اللّه علينا فيما طواه عنا أعظم من نعمته علينا في ما بسطه لنا . وقال محمود الوراق :
من شرف الفقر ومن فضله * على الغنى لو صحّ منك النّظر أنك تعصي لتنال الغنى * ولست تعصي اللّه كي تفتقر
وقال عبدان :
تبيّن فضل الفقر عندي على الغنى * بواحدة فيها عزاء لذي حجر متى متّ لم آسف على فقد نعمة * يودّ الفتى من أجلها المدّ في العمر

صنوف الفقر وما يحمد منه :

قيل : الفقر على ثلاثة أقسام ، فقر الخلق إلى اللّه وعدم الأملاك لعرض الدنيا والحرص وهو فقر الناس إلى الناس ، وهو الذي استعاذ منه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والمشار إلى فضله ما حكي عن الجنيد أنه قيل له : متى يكون الفقير مستوجبا لدخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ؟ فقال : إذا كان موافقا للّه تعالى ، يعد فقره نعمة يخاف على زوالها مخافة الغني على زوال نعمته وغناه ، مستغنيا بربّه ، كما قال تعالى للفقراء :
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
« 2 » الآية .

نفي العار بالفقر

كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين . وكان صلّى اللّه عليه وسلم يستنصر بصعاليك المهاجرين ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ، وقال العطوي :
ما الفقر عار إنّما العار الثرا والبخل « 3 »
هامش
( 1 ) أطلق له العنان : أرسله وتركه منطلقا . ( 2 ) القرآن الكريم : البقرة / 273 . ( 3 ) الثرا : الثراء ، الغنى .
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 599 | الراغب الأصفهاني / عمر فاروق طباع