تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
وقال رجل من بني قريع :
وكائن رأينا من غني مذمم * وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال أبو تمّام :
لا يحسب الإقلال عدما بل يرى * أن المقلّ من المروءة معدم « 1 »

طيب عيش مؤثر الفقر وعزّته وفضله

كان سقراط فقيرا ، فقال له بعض الملوك : ما أفقرك ؟ فقال : لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجّع لي ، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة . وقيل له : لم لا يرى أثر الحزن عليك ؟ فقال : لأني لم أتخذ ما إن فقدته أحزنني . وقال بعض الحكماء : من أحبّ أن تقلّ مصائبه فليقل قنيته للخارجات من يده ، لأن أسباب الهمّ فوت المطلوب وفقد المحبوب ، ولا يسلم منهما إنسان ، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد . وبهذا ألمّ ابن الرومي ، فقال :
ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه * فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
حكي أنه لما غرقت البصرة أخذ الناس يستغيثون ، فخرج الحسن رضي اللّه عنه ومعه قصعة وعصا ، فقال : نجا المخفّون . وقال بعض الزهاد ، وقد قيل له أترضى من الدنيا بهذا ؟ فقال : ألا أدلك على من رضي بدون هذا ؟ قال : نعم ، قال : من رضي بالدنيا بدلا من الآخرة . وقيل لمحمد بن واسع رحمه اللّه : أترضى بالدون ، فقال : إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا وترك الآخرة .

طيب عيش من قنع بما رزق

سئل الفرغاني عن الفتوّة ، فقال : هو أن يكون في كل وقت بشرطه . وقيل لبزرجمهر أي الناس أقل هما ، فقال : ليس في الدنيا إلا مهموم ، ولكنّ أقلهم هما أفضلهم رضا وأقنعهم بما قسم . وقيل لبعضهم : من أنعم الناس عيشا ؟ فقال : من رضي بحاله ما كانت . وقيل : من رضي بما قسم له كان دهره مسرورا . وقيل لابن عوف ما تتمنى ؟ فقال : أستحي أن أتمنى على اللّه ما ضمنه لي ، قال بعض النقّاد :
دنيا تخادعني كأنّي * لست أعرف حالها حظر الإله حرامها * وأنا احتميت حلالها « 2 »
هامش
( 1 ) الإقلال : قلة المال - عدما : فقرا - يقول ليس المعدم من كان يفتقر إلى المال ، بل هو المفتقر إلى المروءة . ( 2 ) الحظر : المنع - احتمى الشيء : اتّقاه .