تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
فقال الحسن : أصبت . ثم قيل له : ما تقول في امرأة لها حليل ؟ فقال الفرزدق : ألم تسمع قولي :
وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلالا لمن يبني بها لم تطلّق « 1 »
فقال الحسن : أصبت . فقال الفرزدق : كنت أراني أشعر منك ، فإذا أنا أفقه منك أيضا .

وصف الكاذب بكثرة الحلف

قيل : علامة الكاذب جوده بيمينه لغير مستحلف ، ومنه أخذ المتنبّي :
وفي اليمين على ما أنت واعده * ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم « 2 »
وقال المنصور لعمر بن عبيد : بلغني أن كتاب محمد بن عبد اللّه الدارمي ورد عليك ، فقال : قد ورد له كتاب وما قرأته وأنت تعلم رأيي في الخوارج ، فقال له : طيّب نفسي بخلعة ، فقال : لا تسمني فإني إن كذبتك تقية لأحلفن تقية .

القليل المبالاة بالحلف

قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ومن لم يحلف على ماله فلا مال له وادّعى رجل على المأمون مالا فاستحضر قاضيه يحيى بن أكثم فاستحلفه فحلف ، ثم أمر للمدعي بما ادعى عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : حلفت له لئلا يجعل إتقاي ذريعة إلى أن يدعو عليّ ، وبذلت المال لئلا يظن أحد أني حلفت لمبالاتي بهذا المال . وادّعى رجل على عمر ما لم يلزمه فحلف له واستحلف أبيّ بن كعب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فحلف كراهة أن يجعل الناس ترك الإيمان مع معرفتهم بالبراءة سنة ، فدخل ذلك في شدة الورع . واستحلف عمرو ابن عبيد على درهم ادعاه عليه بعض من أراد عنته ، فقال حفص بن سالم : نعطيه نحن ونعفيك منه ونرفع قدرك عن مطالبة مثله ، فقال : ما أكره أن أحلف على حق وما كنت لأعينه على معصية . وادعى رجل على عثمان رضي اللّه عنه مالا واستحلفه فأبى واتقاه بدعواه ، فقيل له : هلّا حلفت إذ كان مبطلا ، فقال : خشيت أن يوافق حلفي قضاء ، فيقال إن ذلك أصابه لجراءته على الحلف . قال المتنبّي :
وفاعل ما أشتهي يغنيه عن حلف * على الفعال حضور الفعل والكرم « 3 »
هامش
( 1 ) ذات حليل : أي ذات زوج ، والحليل الرجل الحلال . يقول الحسن البصري : ان الفرزدق صدق في هذا لأنه حكم بظاهر القول ، وصاحب العمدة يقول : إنه أراد مذهب الجاهلية في السبايا . ( 2 ) يقول : حلفك على ما تعده من نفسك يدل على عدم الصدق ، أي أن الصادق لا يحتاج إلى يمين . ( 3 ) معناه أنه غني عن القسم لأنه موثوق بقوله لكرمه .