مدح العروض وذمّه
قيل : معرفة العروض « 1 » تسهّل عليك ما تعوّج من الشعر ، فإنّه نصابه « 2 » ونظامه وعموده وقوامه .
وعاب النظّام « 3 » الخليل فقال : تعاطى ما لا يحسنه ، ورام ما لا يناله وفتنته دوائره « 4 » التي لا يحتاج إليها غيره .
ودخل أعرابي مسجد البصرة فانتهى إلى حلقة علم ، يتذاكرون الأشعار والأخبار ، وهو يستطيب كلامهم ثم أخذوا في العروض فلما سمع المفاعيل والفعول ورد عليه ما لم يعرفه فظنّ أنهم يأتمرون به فقام مسرعا وخرج وقال :
قد كان أخذهم في الشعر يعجبني * حتّى تعاطوا كلام الزنج والروم
لما سمعت كلاما لست أعرفه * كأنه زجل الغربان والبوم
ولّيت منفلتا واللّه يعصمني * من التقحم في تلك الجراثيم
وقال ابن طباطبا :
كلّ العلوم يزين المرء بهجتها * إلا العروض فقد شانت ذوي الأدب « 5 »
بي الدوائر دارت من دوارها * ما لامرئ أرب في ذاك من أرب « 6 »
فاستعمل الذوق في شعر تؤلّفه * وزن به ما بنوا في سالف الحقب
مدح الملح
قال الأصمعيّ : نلت بالعلم وصلت بالملح « 7 » . وقيل : النوادر تفتح الآذان وتفتّق الأذهان .
قال أبو عبيدة : الملح مروءة تنفق عند الإشراف ، فارتادوا لها وانظروا عند من تضعونها .
هامش
( 1 ) العروض : علم أوزان الشعر وبحوره ، استخرج الخليل بن أحمد أصوله وقواعده المعروفة بالنظر في شواهد الشعر القديم .
( 2 ) نصابه : عموده الذي لا يقوم إلا به .
( 3 ) النظّام : من شيوخ المعتزلة واسمه إبراهيم بن سيّار ويكنى بأبي إسحاق . كانت نشأته في البصرة . من تلامذته الجاحظ . كانت وفاة النّظام سنة 221 ه ( 835 م ) . كان النّظام وسائر المعتزلة حربا على الفجور والزنادقة ولهذا هاجم أبا نواس وحمل عليه لكن أبا نواس ردّ عليه قائلا :قل لمن يدّعي في العلم فلسفة * حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجا * فإنّ حظر كه بالدين إزراء( 4 ) دوائره : أي دوائر علم العروض كما حدّدها الخليل بن أحمد .
( 5 ) شانت : من الشّين وهو العيب .
( 6 ) الأرب : الحاجة .
( 7 ) الملح : النوادر ، جمع ملحة .