وكان لعبد الملك صديق يختصه ، فغاب عنه غيبة قتل عبد الملك فيها عمرو بن سعيد بعد أن أمنه . فلما قدم قال له يوما : ما تقول في قتل عمرو بن سعيد ؟ فقال : اعفني .
فقال : أقسمت عليك لتقولنّ . فقال لو قتلته يا أمير المؤمنين وأنت كان حي جميلا . فقال أو ما تراني حيا قال ليس بحي من أقام نفسه مقاما لا يوثق به ، واللّه لا يخرج عليك بعدها خارجي إلا وبلغ الغاية في معاداتك ، وإن بذلت له كل أمانة . فقال عبد الملك : لو سبق إلى إذني لم أصنع ما صنعت ، ولقد صدق من قال نصف عقلك مع صاحبك .
قال جحظة « 1 » :
وأمّنتني ثمّ عاقبتني * فكان أمان أبي مسلم
مدح سوء الظنّ بالنّاس
قيل : ما الحزم ؟ قال : سوء الظن بالناس .
وقال ببغاء « 2 » البغدادي :
وأكثر من تلقى يسرّك قوله * ولكن قليل من يسّرك فعله
وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي * فأدبّني هذا الزمان وأهله « 3 »
وقد تقدم هذا الباب .
ذمّ من ساء ظنّه
قيل لبعضهم : ما ظنّك بالناس ؟ قال : ظنّي بنفسي . قال المتنبّي :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدّق ما يعتاده من توهم
وقيل : أخفض الناس « 4 » من لا يثق بأحد ولا يثق به أحد .
النهي عن الوقوف موضع التّهمة
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقومن مقام التهمة . وقيل : من وقف موقف التهمة لم يكن له أجر الغيبة . من جعل نفسه عرضا للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن .
هامش
( 1 ) جحظة : هو أحمد بن جعفر وهو من البرامكة . اتصل بالخليفة المعتمد وحظي عنده وكان شاعرا بارعا يجيد الغناء وكان أيضا من ظرفاء عصره ولعلّ ظرفه ساعد على تقبّل دمامته وقبح وجهه .
( 2 ) الببغاء : هو أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي أصله من نصيبين بالعراق . لقب بالببغاء للثغة في لسانه . اتصل في شبابه بسيف الدولة ثم قدم الموصل . أكثر شعره في الغزل والخمر والمدح . مات سنة 398 ه .
( 3 ) يقول : كان حسن الظن أحد مذاهبي في الحياة ، لكنّ صروف الدهر وطبائع الزمان وأهله علمتني فبدّلت آدابي ومعتقدي .
( 4 ) أخفض النّاس : أحطهم شأنا .