للحاجة وأبعد من الكبر أما سمعت قول اللّه تعالى :
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
« 1 » ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يأكل على الأرض فقيل له في ذلك فقال : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد .
المتواضع بالقيام بحوائج النّاس وتحمّل أثقالهم
كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يمشي مع الأرملة يقضي حاجتها ولا يستنكف « 2 » ، واشترى رجل شيئا فمر بسلمان وهو أمير المدائن فلم يعرفه فقال : احمل هذا معي يا علج « 3 » ، فحمله وكان من يتلقاه يقول ادفعه إليّ أيها الأمير فيقول : لا واللّه لا يحمله إلا العلج والرجل يعتذر إليه ويسأله أن يردّه عليه وهو يأبى حتى حمله إلى مقرّه .
المتواضع في قيامه بأمر عياله
اشترى أمير المؤمنين رضوان اللّه عليه تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال له بعض أصحابه : دعني أحمله ، فقال : أبو العيال أحق أن يحمله . ورؤي بعض الكبار وبيده بطن شاة فقال له رجل : ادفعه إليّ فإنه يزري « 4 » بك ، فقال :
ما نقّص الكامل من كماله * ما جرّ من نفع إلى عياله
وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه يحمل الحزمة من الحطب وهو خليفة مروان ، وكان يقول : وسّعوا للأمير .
حمد تعظيم الكبار
قدم قيس بن عاصم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وكان سيد أهل الوبر فبسط له رداءه ثم قال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . وروي أن مجوسيا دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخرج صلّى اللّه عليه وسلم من تحته وسادة حشوها ليف وطرحها له وأقبل عليه يحدّثه ، فلما نهض قال عمر رضي اللّه عنه : إنّه مجوسي ، فقال عليه الصلاة والسلام : قد علمت ولكن جبريل عليه السلام يأمرني أن أكرم كلّ كريم قوم إذا أتى ، وهذا سيد قومه .
وقال الشعبي : ركب زيد بن ثابت فدنا منه عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهم ليأخذ بركابه فقال : ما تفعل يا ابن عم رسول اللّه ؟ فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأمرائنا فقال زيد أرني يدك فأخذها وقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا .
النهي عن التصدّر في المجالس
قال زياد لابنه : إياك وصدر المجالس فإنه مجلس قلعة . قال الأحنف : ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري ولهذا باب في غير هذا الموضع .
هامش
( 1 ) القرآن الكريم : لقمان / 19 .
( 2 ) استنكف : تراجع .
( 3 ) العلج : العبد الحمار ، والعلج أيضا : الرجل الضخم القويّ من كفار العجم .
( 4 ) يزري بك : يحتقرك .