النهي عن استصغار العدوّ
قيل : لا تستصغرنّ أمر عدوك إذا جاريته لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر .
الضعيف المحترس من العدوّ القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدوّ الضعيف .
وقيل : العدو المحتقر ربما اشتد كالغصن النضر بما صار شوكا ، وقيل : لا تأمنن العدوّ الضعيف إن تورطك فالرمح قد يقتل به وإن عدم السنان والزجّ « 1 » ، قال شاعر :
لا تحقّرني فربّما نفذت * في ردم يأجوج جيلة الجرذ « 2 »
قال الموسوي الفيل يضجر وهو أعظم ما رأيت من البعوض . وفي المثل إذا عز أخوك فهن وإذا لم تغلب فاخطب . لا يتقى العدو والقوي بمثل الخضوع واللين فمثل ذلك كمثل الريح العاصف ، تقلع الأشجار العظام لتأبّيها عليها ، ويسلم منها النبات اللين لتمايله معها ، قال سليمان بن وهب :
غرّك الدهر بما تهوى فهن * وإذا ما أخشن الدّهر فلن « 3 »
لا تعاسره وخذ ميسوره * وتفنّن معه في كل فن « 4 »
قال المأمون لأبي دلف : شد ما استحذيت للحسن بن رجاء . فقال : يا أمير المؤمنين ذلك بما وهبت له من القدرة وصحبه من حداثة الغرارة . وكانت الطاعة تعارض الانتصار منه وخفت أن يكون من قدرته ما يعنيك بي فلا أجد لذلك عوضا فسلمت قال ابن نباتة « 5 » :
وإذا عجزت عن العدوّ فداره * وامزج له إن المزاج رفاق « 6 »
فالنّار بالماء الذي هو ضدها * تعطي النضاج وطبعها الإحراق « 7 »
حمد المداجاة طلبا للفرصة
قيل لابن القرية : ما الدهاء ؟ فقال : تجرع الغصة ، وتوقع الفرصة ، وقيل : من تمام
هامش
( 1 ) الزّج : حديدة في أسفل الرمح ويقابله السنان - زجّه بالرمح : طعنه .
( 2 ) يأجوج ( ومأجوج ) : سدّ عظيم جبّار زعم أنه من الحديد ، وقد نسب بناؤه إلى الإسكندر بناه لحماية شعب اسمه يأجوج ومأجوج كان قد استنجد به . وقيل إنّ هذا السدّ هو حائط أو جدار الصين الأكبر . ويأجوج ومأجوج أيضا عدوان يهاجمان في آخر الأزمنة أتباع المسيح عليه السلام وقد ورد ذلك في القدس المقدّس .
( 3 ) أخشن الدهر : صار خشنا .
( 4 ) لا تعاسره : لا تلتوي عليه أو تعانده - الميسور منه : المتيسّر منه أو المتاح .
( 5 ) ابن نباتة : هو محمد المصري ( 1287 - 1366 ) من شعراء مصر . أقام بدمشق زمانا له ديوان سرج العيون في شرح ديوان ابن خلدون .
( 6 ) داره : الأمر من دارى يداري مداراة ، أي لاطفه وخاتله - يدعو إلى مخاتلة العدو ومداراته مشبّها أثر ذلك في درء خطر العدوّ بأثر الماء في النّار للحدّ من إحراقها .
( 7 ) داره : الأمر من دارى يداري مداراة ، أي لاطفه وخاتله - يدعو إلى مخاتلة العدو ومداراته مشبّها أثر ذلك في درء خطر العدوّ بأثر الماء في النّار للحدّ من إحراقها .