وضرب الحجّاج رجلا فقال : اعتديت أيّها الأمير فقال : لا عدوان إلا على الظالمين . ووقّع « 1 » إبراهيم بن العباس : إذا كان للمحسن من الحق ما يقنعه وللمسيء من النكال ما يقمعه بذل المحسن الحق له رغبة ، وانقاد المسئ له رهبة .
حثّ القادر على العقاب قبل فوته
قيل : صمّم إذا أيقنت أنك عاقره « 2 » ، وقال بعض الغسانيين يحرض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه :
ما كلّ يوم ينال المرء فرصته * ولا يسوغه المقدار ما وهبا
فأحزم الناس من إن نال فرصته * لم يجعل السبب الموصول مقتضبا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها * إن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا
دخل الأبرش على هشام لما غضب على خالد القسري فقال : يا أمير المؤمنين أقلّ خالدا عثرته « 3 » وتدارك بحلمك هفوته فقال :
مضى السهم حتّى لا يريد سوى الحشا * فصادف ظبيا في الحديق راتعا « 4 »
وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس : إن كان الذنب خاصا فلا تعمم بالعقوبة في سلامة البري ومودة الولي . فكتب إليه :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
« 5 » .
وقال عبد الصمد للمنصور : لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو . فقال : لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ، ونحن بين أقوام قد رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد الهيبة في صدورهم إلا باطراح العفو واستعمال العقوبة . وقال لما قتل أبا مسلم : لقد شاركت عبد الملك في قول كثير :
يصدّ ويغضي وهو ليث خفية * إذا أمكنته فرصة لا يقيلها
التبجّح « 6 » بقسوة القلب وقلّة الرحمة
كان محمّد بن عبد الملك بن الزيات يقول : رقة القلب من خور « 7 » الطبيعة . ولما أمر
هامش
( 1 ) قع : من التوقيع وهو ما يجمل فيه الكاتب مقاصده في الكتاب أو الجواب بحذف الفضول ، والتوقيع على هذا مقاصده في الكتاب أو الجواب بحذف الفضول ، والتوقيع على هذا النحو فن مزيد بين ضروب الكتابة وكان خاصّا تقريبا بالخلفاء والولاة وأصحاب السلطان ، وله سمات أهمها البلاغة والإيجاز وسداد الرأي ، وإذا اشتهر دخل في باب المأثور والأقوال السائرة .
( 2 ) عقر عقرا : جرح ونحر - عقر الإبل : قطع قوائمها - عقره عقرا وعقارة : حبسه عن السير .
( 3 ) أقلّ عثرته أو أقاله من عثرته : قدّم له العون وأخرجه من ورطته وأنهضه من سقطته .
( 4 ) الحديق : الحديقة ، أو البستان عليه حائط .
( 5 ) القرآن الكريم : يوسف / 41 .
( 6 ) التبجّح : التفاخر ، تبجّح في الغنى : توسّع غناه .
( 7 ) خور الطبيعة : أي ضعف الطبيعة البشريّة .