ولا تحم من بعض الأمور تعزّزا * فقد يورث الذّل الطويل تعزّز
وقال الأحنف : كم جرعة من الظلم تجرعتها مخافة ما هو أعظم منها .
الرخصة في المجازاة بالظلم
قال اللّه تعالى في مدح ذلك :
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
« 1 » وقال تعالى :
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
« 2 » وقال بعضهم لسلطان : إني وإن خشنت في المال فقد عذر اللّه المظلوم إذا جهر بالسوء طلبا للنصفة من ظالمه حيث قال : لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم . وقال جرير : إنّي لا أبتدي ، لكن أعتدي .
من لا يبالي بأن يظلم
قيل : أهون مظلوم سقّاء مروّب . وقيل : أهون مظلوم عجوز معقومة قال شاعر :
وظلم النهشلي من السواء « 3 »
من لا يبالي بأن يظلم
قال أبو فراس « 4 » :
وبعض الظالمين وإن تعدّى * شهيّ الظلم مغفور الذنوب
ولبعض الصوفية « 5 » :
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه * فكلّ الأذى ممّن يحبّ سرور
تراب قطيع الشّاء في عين ذئبها * إذا سار في آثارهنّ ذرور « 6 »
وقال آخر :
وقد يؤذى من المقة الحبيب
تحسّر من ظلمه دنيء أو لئيم وتعزّيه
في المثل لو ذات سوار لطمتني . قال الفرزدق :
فوا عجبا حتّى كليب تسبّني * كأنّ أباها نهشل أو مجاشع « 7 »
هامش
( 1 ) القرآن الكريم : الشعراء / 227 .
( 2 ) القرآن الكريم : الشورى / 41 .
( 3 ) النهشلي : الذئب ، نهشل الرجل كبر ، ونهشله عضّه ، ونهشل الشيء أكله أكل الجائع .
( 4 ) أبو فراس الحمداني : ( 932 - 968 ) ولد في الموصل . شاعر فارس ، وهو ابن عم سيف الدولة صاحب حلب . قلّده سيف الدولة إمارة منبج . وقع أبو فراس أسيرا في يد البيزنطيين ، وبقي في الأسر أربع سنوات .
سمّي شعره في الأسر باسم « الروميّات » ويغلب على شعر أبي فراس النزعة العاطفية والوجدانية .
( 5 ) الصوفية : فئة من المتعبّدين واحدهم الصوفيّ والصوفي في نظرهم من كان فانيا بنفسه باقيا باللّه تعالى ، مستخلصا من الطبائع متصلا بحقيقة الحقائق .
( 6 ) ذرور : ما يذرّ في العين أو الجرح من الدواء ، جمع أذرّة .
( 7 ) كليب : أي بنو كليب .