أعطيت في نائبتهم ، وحملت عن سفيههم ، وشددت على يد حليمهم ، وعطفت على ذي الخلّة منهم . فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن قصّر عنّي فأنا أفضل منه . ومن تجاوزني فهو أفضل منّي .
وقال الأحنف : من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع ، من كان له دين يحجزه « 1 » ، وحسب يصونه وعقل يرشده ، وحياء يمنعه . وقيل : من أحب الرئاسة صبر على مضض السياسة .
قال الشاعر :
أترجو أن تسود ولا تعنّي * وكيف يسود ذو الدعة البخيل
وقال الخبزارزي « 2 » :
فقل لمرجي معالي الأمور * بغير اجتهاد طلبت المحالا « 3 »
جماع أحوال يجب للرؤساء تجنّبها وأحوال يلزمهم فعلها
قال معاوية رضي اللّه عنه : لا ينبغي للملك أن يكون كذابا ، لأنّه إن وعد خيرا لم يرج ، وإن أوعد شرّا لم يخف ولا غاشّا لأنه لم ينصح ، ولا تصح الولاية إلا بالمناصحة .
ولا حديدا لأنه إذا احتدّ هلكت رعيته ، ولا حسودا لأنه لا يشرف أحد فيه حسد ، ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم . ولا جبانا لأنه يجترئ عليه عدوّه وتضيع ثغوره .
وقال بعضهم : أكره المكاره في السيّد ، وأحبّ أن يكون عاقلا متغافلا . كما قال أبو تمام الطائي :
ليس الغبيّ بسيّد في قومه * لكنّ سيّد قومه المتغابي
وقال ذو القرنين لأرسطوطاليس ، لما أراد الخروج : عظني بما أستعين به في سفري . فقال : اجعل تأنيك أمام عجلتك ، وحيلتك رسول شدّتك ، وعفوك ملك قدرتك .
وأنا ضامن لك قلوب الرعية . إن لم تخرجهم بالشدّة عليهم ، ولم تبطرهم بفضل الإحسان إليهم .
الحثّ على تسويد الكبار « 4 »
قال قيس بن عاصم لبنيه : إذا متّ فسوّدوا كباركم ولا تسوّدوا صغاركم ، فيحقر
هامش
( 1 ) يحجزه : أي يمنعه عن المقابح والمساوئ .
( 2 ) الخبزارزي : هو نصر بن أحمد من شعراء البصرة . كان أميّا . سمّي بهذا الاسم لأنه كان يخبز خبز الأرز في دكانه بمربد البصرة . أورد الثعالبي بعض شعره في يتيمة الدهر . .
( 3 ) يقول : إنّه يستحيل بلوغ السيادة والمعالي بغير بذل وعناء واجتهاد .
( 4 ) تسويد الكبار : جعلهم سادة .