لقد ضيّع دراهمه من يجود لشعر أبي الشمقمق . فقال : لا جرم أنّ العلم يعطيكم على قدر ما تعطونه ، ولو استطعت أن أكتبه في سواد عيني أو سويداء قلبي لفعلت .
وقيل : إذا حويت الكتب فقد أحرزت الأدب والنّشب « 1 » ، وقال شاعر :
تحرّض على تجويد كتبك أنّها * مناهل ورّاد الحجى والفوائد « 2 »
وقيل : إنفاق المال على كتب الأدب يخلفك عليه لباب الألباب .
ذمّ من يجمع الكتب ولم يحفظها
قال محمّد بن بشر :
أما لو أعي كلّ ما أسمع * وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت * لقيل هو العالم المصقع
ولكنّ نفسي إلى كلّ شيء * من العلم تسمعه تنزع « 3 »
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت * ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في دهره هكذا * يكن دهره القهقرى يرجع
مدح ملازمة الكتب
قال أبو عمرو : وما رأيت أحدا في يده دفتر ، وصاحبه فارغ اليد ، إلا اعتقدت أنه أعقل وأفضل من صاحبه .
وكان عبد اللّه بن عبد العزيز يلزم أبدا المقابر ومعه شيء من الدفاتر ، فقيل له في ذلك ، فقال : لم أر أوعظ من كتاب وأسلم من الانفراد .
ونظر المأمون إلى بعض أولاده وفي يده كتاب فقال : ما هذا ؟ قال بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس الوحشة ، فقال : الحمد للّه الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه أكثر مما ينظر إليه بحسبه « 4 » .
أحوال إعارة الكتب واستعارتها
قال بعض الشعراء :
إنّي حلفت بربّ البيت والحرم * هل فوقها حلفة ترجى لذي قسم
أن لا أعير كتابا فيه لي أرب * إلا أخا ثقة عندي وذا كرم « 5 »
هامش
( 1 ) النّشب : المال .
( 2 ) مناهل : ينابيع وموارد ، جمع منهل - الحجى : العقل .
( 3 ) ننزع : من نزع إلى . . . حنّ .
( 4 ) الحسب : مواريث النسب .
( 5 ) الأرب : الحاجة .