وقيل لجرير : ما تقول في الجعديّ « 1 » ، فقال : سوق خلقان « 2 » ترى ثوبا يروعك وثوبا تستهجنه عينك . وقيل : إذا كان الكلام كلّه منقّى لم تبن فيه اللمعة والنكتة ، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس « 3 » ، لما كان كلّه حكما .
وقال المتنبّي :
وفي الشعر ما تهوى النفوس استماعه * وفي الشعر ما قد ضمّه حبل حاطب
ضنّ الشاعر برديء شعره
قال عبد اللّه بن طاهر : آفة الشاعر البخل ، لأنه يقول خمسين بيتا وفيها بيت رديء فلا يحتمل قلبه أن يسقطه .
وقيل : الشاعر كالصيرفيّ يجتهد في أن يروّج ما في كيسه من الزيوف .
اعتذار من قصّر عن مساجلة
. قال العتّابي :
ولا عار إن قصّرت دون مبرّز * شأى الناس قبلي سعيه وشآني « 4 »
وإنّي كمن جارى جوادا بمقرف * قوائمه مشكولة بحران « 5 »
وممّا يحسن أن يتمثّل به هنا قول الدارمي « 6 » :
كلانا شاعر من قول صدق * ولكنّ الرّحى فوق التفال
قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه
قال أحمد بن أبي الخصيب :
وإنّي وإن أحسنت في القول مرّة * فمنك ومن إحسانك أمتار هاجسي
هامش
( 1 ) الجعديّ : هو النابغة الجعدي واسمه عبد اللّه بن قيس ويكنى أبا ليلى . أدرك الإسلام واعتنقه وحسن إسلامه ، وهو من المعمّرين ، وكان نادم أبا النعمان بن المنذر ، وهو أقدم من النابغة الذبياني كما ذكر ابن قتيبة .
( 2 ) الخلقان : البالي واللفظة للمذكر والمؤنث .
( 3 ) صالح بن عبد القدوس : هو من شعراء بغداد ، صلب لأنه كان زنديقا ، وإلى صالح هذا تنسب القصيدة الزينبية وأولها :صرمت حبلك بعد وصلك زينب * والدّهر فيه تصرّم وتقلّب
ولذاك وصل الغانيات فإنّه * آل ببلقعة وبزق خلّب( 4 ) شأى الناس : سبقهم ، وتشاءوا : تسابقوا .
( 5 ) المقرف : النذل ، ووجه مقرف غير حسن .
( 6 ) الدارميّ : هو ربيعة بن عامر وهو من بني دارم ، ومسكين لقب غلب عليه ، فقيل مسكين الدارمي ، وفيه يقول :وسمّيت مسكينا وكانت لجاجة * وإني لمسكين إلى اللّه راغب( انظر الأغاني : 18 / 68 ) .