مفاضلة البديهة والرويّة ومدح الطّبع
قال ابن الرومي في الحكم بينهما :
نار الرويّة نار غير منضجة * وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها * لكنّه عاجل يمضي مع الريح
وقال معاوية لابن العاص « 1 » : أنا آدب منك ، فقال : أنا للبديهة وأنت للرويّة « 2 » ، وبينهما بون « 3 » .
وممّا يؤكد تفضيل البديهة قول العبديّ في وصف البلاغة : أن تصيب فلا تخطئ وتعجل فلا تبطئ . وقيل : خير الفقه ما حاضرت به .
وقال الحطيئة :
فهذا بديه لا كتحبير قائل * إذا ما أراد القول زوّره شهرا
واجتمع ابن مناذر وأبو العتاهية ، فقال أبو العتاهية : كم بيتا تقول في اليوم ؟ قال :
مقدار عشرة أبيات . فقال أبو العتاهية : فأنا أقول مائتين . فقال : فإنك تقبل من شيطانك نحو : ألا يا عتبة الساعة ، أموت الساعة الساعة ، ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا .
قال المتنبّي :
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب * ع وعند التعمّق الزلل
المعتذر لرفض طريقة من النسج
قيل لنصيّب « 4 » : إنك لا تحسن الهجاء ، فقال : من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه اللّه أخزاه اللّه ، ولكنّي رأيت الناس ثلاثة رجال : رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه ، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح ، ورجلا سألته فلم يعط . فنفسي أحق بالهجاء إذ سوّلت لي أن أسأله .
وقال عبد الملك للعجّاج : بلغني أنك لا تحسن أن تهجو ، فقال : من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها ، فقال : ما يمنعك من ذلك ؟ قال : أن لنا عزّا يمنع من أن نظلم ، وحلما يمنع من أن نظلم ، فعلام الهجاء ؟ فقال : كلامك أشعر من شعرك .
هامش
( 1 ) ابن العاص : أي عمرو بن العاص .
( 2 ) الرويّة : إطالة النظر والقدرة على التأمل في طبيعة الأمور .
( 3 ) معناه أن مجاوزة الحدّ والمبالغة سبيل إلى الزلل والخطأ فالنجاح وليد ما يفعله الإنسان بطبعه وليس وليد التكلّف .
( 4 ) نصيّب : من شعراء الحجاز في العصر الإسلامي ، وهو نوبى الأصل وأسود اللون ، وكان مولى لكناني من أهل ودّان قرب مكة . وقد اتصل نصيب بعبد العزيز بن مردان بمصر فحرّره فحفظ يده ومدحه ( انظر الأغاني 1 / 324 ، والشعر والشعراء والموشح للمرزباني ) .