ما استحبّه الأكابر من فرص الشّعر
قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم : إنك قد لهجت بالشعر فإيّاك والتشبيب « 1 » بالنساء فتعرّ شريفة ؛ والهجاء فتهجّن كريما أو تثير لئيما ؛ وإيّاك والمدح فهو كسب الأنذال . ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك ، وإن لم تجد من المدح بدّا فكن كمالك المرادي حين مدح فجمع في المدح بين نفسه وبين الممدوح ، فقال : أحللت رحلي في بني ثعل ، إنّ الكريم للكريم محلّ .
قال الشاعر :
أشغل قريضك بالنس * يب وبالفكاهة والمزاح « 2 »
يا مادح القوم اللئا * م وطالبا نيل السّماح « 3 »
مدح جماعة من الشّعراء وتفضيل بعضهم على بعض
ذكر امرؤ القيس عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : ذاك رجل مذكور في الدنيا منسيّ في الآخرة ، يجيء يوم القيامة وبيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار .
قال الأصمعي : ما رأيت خمسة من العلماء قط إلا وأربعة منهم يقدّمون امرأ القيس ولا أربعة إلا وثلاثة منهم يقدّمونه .
وسئل بعضهم من أشعر العرب : فقال : امرؤ القيس إذا ركب « 4 » ، والأعشى إذا طرب « 5 » وزهير إذا رغب « 6 » ، والنابغة إذا رهب « 7 » .
وكان أبو عمرو يكثر وصف النابغة الذبياني وطبعه وحسن ديباجته ، ويقدّمه بعد امرئ القيس .
وقال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : قال : لي عمر رضي اللّه عنه ، وأنا أسايره : أنشدني
هامش
( 1 ) التشبيب بالنّساء : الغزل بهن .
( 2 ) القريض : الشعر - النسيب : الغزل - السماح : الكرم والعطاء .
( 3 ) القريض : الشعر - النسيب : الغزل - السماح : الكرم والعطاء .
( 4 ) أشعرهم إذا ركب أي أشعرهم إذا ركب فرسه فقد كان أوصف الجاهليين للخيل والنساء ، وقد أعجب النقاد بأبياته في معلقته التي وصف بها الجواد ومنها قوله :مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطّه السيل من عل( 5 ) وقوله : والأعشى إذا طرب ، إشارة إلى شربه الخمر فهو إذا شربها طرب وتحركت شاعريته .
( 6 ) وقوله : وزهير إذا رغب يفيد أنّ زهير بن أبي سلمى كان إذا أعجب بالممدوح وحرّك العطاء مكامن نفسه يسمو بمدائحه .
( 7 ) أما قوله : والنابغة إذا رهب فتفسيره متصل بخبره مع الملك النعمان الذي كان أهدر دمه إثر وشاية اتهمته بالمتجردة امرأة الملك ، فانبرى النابغة يعتذر للنعمان ويردّ التهمة عن نفسه ، فحرك الخوف شعوره فأجاد في هذا اللون من شعره .