ذمّ الجلبة وخوض الكلّ في الكلام
قيل : لا يميل إلى الجلبة واللّجاج إلا من عجز عن الغلبة بالحجاج . وقال المأمون لهاشمي حضر مجلسه فناظره وشغب :
لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمت * إنّ الصواب في الأسدّ لا الأشدّ « 1 »
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل كان يكثر الصياح والجلبة : اخفض الصوت فلو نيل خير برفع الصوت لأدركه الحمير والكلاب .
وكان أحمد بن الخصيب إذا ناظر شغب وجلب ، وربّما رفس من يناظره ، فقال فيه بعض المحدثين ، يخاطب الخليفة المنتصر :
قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد * أشكل وزيرك إنّه ركّال « 2 »
قد نال من أعراضنا بلسانه * ولرجله عند الصّدور مجال
وهذا يقارب ما روي أنّه شكا إلى المأمون من بعض قضاته ، أنه يعضّ الخصوم ، فوقّع ليشنق .
وأنشد الأصمعيّ :
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم * كنز والدّبا في العرفج المتقارب
وقال مسلم بن عبّاس :
كأنّ بني رالان إذ جاء جمعهم * فراريج يلقى بينهنّ سويق
الحثّ على المخالفة ودفع الصواب بالخطإ
قالت إعرابية لابنها : إذا جلست مع القوم ، فإن أحسنت أن تقول كما يقولون ، وإلا فخالف تذكر ولو كان بتعليق أير حمار في عنقك . وقال أعرابي : إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما ، وقال بعضهم : خالف تذكر ، فقالوا : إنما هو تنكر ، فقال :
هذا أول الخلاف .
ذمّ مخالف ألدّ في كلّ صواب
قال اللّه تعالى :
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
« 3 » وقال تعالى :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
« 4 » وقال تعالى :
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
« 5 » .
وقال الشاعر :
رقيع خصيم في الصّواب كأنّه * برد على أهل الصّواب موكل
هامش
( 1 ) الأسدّ : الأكثر سدادا أي صوابا .
( 2 ) أشكل : اربط واعقل - ركّال : كثير الركل ، والركل الرفس أو الضرب بالرجل .
( 3 ) القرآن الكريم : مريم / 98 .
( 4 ) القرآن الكريم : الزخرف / 58 .
( 5 ) القرآن الكريم : الأحزاب / 19 .