الأمير عليهم أن تقاتل وتشتغل بالقتال عن تدبيرهم ، فإن قتالك ينوب عنه أدنى رجل من الجماعة ، وليس ينوب مقامك فيهم غيرك ، لأنك إذا اشتغلت بالقتال أضعت تدبير العسكر ، وإن نالك سوء أهلكوا كلهم بهلاكك ، وإن لم تجد من القتال بدا أقمت لهم أميرا يهلون إليه ، بعد موافقتهم عليه ، ولا جرم إن لم يشتغل بتدبير رجالك بقتال ولا بغيره ما استقرت أقدامهم ، وتقدّم للعدو أقدمهم حتى يستمكن بهم من عدوهم ، ثم احمل بنفسك فيهم فإن ردوا وجوههم بعد حملتهم قبل أن ينالوا من عددهم ما يحبون ، فأثنهم للحملة ما استطعت ، وقاتل على أعقابهم ، وأوقف العدو عن إرهاقهم حتى تنقلب وجوه أصحابك إلى عدوهم ، ولا تزاحف قوما حتى يعرف أصحابك شعارهم ، ويتفقون على رأيهم في حال حملتهم وحال رجعتهم ، فإن ذلك من أعون « 1 » ما يستعينون به على عدوهم .
وإذا أردت أن تعرف الرأي الذي يتبين لك ضياؤه ، ولا تقصد إلا إياه ، فأحضر رجال الرأي وأمرهم بالمشورة ، واستمع لأقوالهم ، فإذا أشاروا ووقع من رأيهم ما يتفقون على سداده ، فانظر من أين تدخل على ذلك الرأي وما يعلّه ، فإن وجدت شيئا فيه يفسده ، أو علة تعوقه تركته ، وإن لم تجد له علة ولا عليه مدخلا يفسده ، فخذ به من بعد تقديم الخيرة ، فإن من استخار اللّه لم يعدم من اللّه ما سأله .
هامش
( 1 ) في السيرة : أعوان . ولعل الصواب ما أثبت .