وبينك أحدا يستحقّ التّفضيل والوصف بالعقل غيرك ، رقد أعفيتك من جميع ما أردته منك ، وأنا منصرف عنك . فقال ملك الصين : أمّا إذ فعلت ذاك فلست تخسر . فلما انصرف الإسكندر أتبعه ملك الصين من الهدايا والألطاف بضعف ما كان قرّر معه « 1 » .
قلت : قد جرى في مدّتي ما يشاكل حديث الإسكندر ، وأنا مورده .
وذلك : أنّ الإفرنج - خذلهم اللّه - لما خرجوا في سنة تسعين وأربع مائة ، وفتحوا أنطاكية « 2 » ، وقهروا أهل الشأم - : تداخلهم الطّمع ، وحدّثتهم نفوسهم بملك بغداد وبلاد الشّرق ، فحشدوا وجمعوا وساروا يريدون البلاد ، وصاحب الموصل في ذلك الوقت حكرمش « 3 » ، فجمع أمراء التّركمان الأرتقية ومن قدر عليه ، ولقيهم على الخابور فكسرهم ، وأسر من يقدمهم « 4 » : الملك بغدوين البرونس « 5 » وجوسلين « 6 » ، وسيّرهم إلى قلعة جعبر ، « 7 » إلى عند الأمير شهاب الدين مالك بن سالم ، « 8 » أودعهم عنده ، وعاد من بقي من الإفرنج
هامش
( 1 ) في الرواية الأخرى « من الهدايا والتحف بأضعاف ما كان » فرده عليه الإسكندر » .
( 2 ) أنطاكية : بتخفيف الياء المفتوحة . وأخذها الإفرنج من المسلمين في سنة 491 بخلاف ما يوهمه كلام المؤلف . وهو بدء الحروب الصليبية المعروفة . انظر معجم البلدان ( ج 1 ص 358 ) وتاريخ ابن خلدون ( ج 5 ص 19 - 20 ) وابن الأثير ( ج 10 ص 112 وما بعدها طبعة المطبعة الأزهرية سنة 1301 ) وتاريخ الحروب الصليبية لسيد على الحريري ( ص 18 طبعة سنة 1312 )
( 3 ) هو من الامراء السلجوقية وهذا الاسم في الأصل كما ترى ، بالحاء المهملة وفي آخره الشين المعجمة ، وقد ذكر مرارا في ابن خلدون بالجيم وآخره سين مهملة ( ج 5 ص 29 - 41 و 151 و 154 و 164 وغير ذلك ) وذكر بالجيم والشين المعجمة في أبي الفداء ( ج 2 ص 221 ) وابن الأثير ( ج 10 ص 142 - 143 ) وتاريخ ابن الوردي ( ج 2 ص 18 ) .
( 4 ) أي يتقدمهم .
( 5 ) في الأصل « الرويس » وصححناه من كتاب الاعتبار للمؤلف ( ص 118 - 119 ) وأشار الأستاذ فليب حتى في تعليقاته ( ص 81 ) إلى أن « بغدوين » تعريبBaldwinوفي ( ص 119 ) إلى أن « البرونس » تعريبPrinceواسم « بغدوين » ذكر في ابن خلدون مرارا « بقدوين » بالقاف ( ج 5 ص 152 وغيرها )
( 6 ) أشار الأستاذ فليب ( ص 90 ) إلى أنه تعريبJoscelin( 7 ) هي قلعة على الفرات ، انظر معجم البلدان
( 8 ) هو مالك بن سالم بن مالك ، وهو صديق لوالد المؤلف . انظر الاعتبار ( ص 120 )