امتطى عيرا أربعين سنة . فسمع كلامه أعرابي فعارضه فقال : إن الحمار إن وقفته أدلى وإن تركته ولى ، كثير الروث قليل الغوث ، سريع إلى الفرارة بطيء في المفازة ، لا تودى به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء .
وأبو سيارة المتقدّم الذكر : رجل من عدوان اسمه كما تقدّم : عميلة بن خالد ، كان له حمار أسود أجاز عليه الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة ، وكان يقف فيقول :
أشرق ثبير كيما نغير ويقول :
خلوا الطريق عن أبي سياره * وعن مواليه بني فزاره
حتى يجيز سالما حماره
ويقول :
لا هم إني تابع تباعه * إن كان إثم فعلى قضاعة
ويقول :
لا هم ما لي في الحمار الأسود * أصبحت بين العالمين أحسد
أفق أبا سيارة المحسد * من شر قال حاسد إذ يحسد
ومن أذاة النافثين في العقد
وقال الخطابي : كان حمار أبي سيارة أتانا عوراء ، رسنها ليف ، وهي التي يضرب بها المثل فيقال : أصح من عير أبي سيارة . وكان يقول : اللهم حبب بين نسائنا ، وبغض بين رعائنا ، واجعل المال في سمحائنا . يريد بقوله : بغض بين رعائنا ؛ لأنهم إذا تحابوا اجتمعوا في المرعى فأضر ذلك بالماشية ، وإذا تباغضوا تفرقوا فرعت أنعامهم واتسعوا في المرعى .
وخرج ثابت من حديث الشعبي قال : كان رجل يشهد المواسم فلا يزيد على هذا الدعاء : اللهم أصلح بين نسائنا ، وأفسد بين رعائنا ، واجعل المال عند خيارنا . قال : فقيل له : إنك لو دعوت بغير هذا فإن الناس لا يدعون بهذا . فقال : الناس لا يدرون أنه إذا أصلح بين نسائنا يصلح الذي بيننا ، وإذا أفسد بين رعائنا دل بعضهم على بعض ، وإذا كان المال في خيارنا فأصابتنا عسرة عادوا علينا . ومما قيل في ركوب الحمار :
وما عن رضا كان الحمار مطيتي * ولكن من يمشي سيرضى بما ركب
وفي ركوب الحمار التواضع لركوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياه . وخرج الترمذي رحمه اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان . ثم خرج بعد ذلك حديثا عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : يقولون فيّ التيه ، وقد