على قلته وضئولته ، فقال له ابن عباس : إنه احتاج إلى الماء والهدهد قنّاء « 1 » الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها ، فسأل عنه لذلك . قال ابن الأزرق : قف يا وقّاف ، كيف يبصر ما تحت الأرض والفخّ يغطّى له بمقدار إصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه فقال ابن عباس : ويحك يا ابن الأزرق أما علمت أنه إذا جاء القدر عشي البصر « 2 » ! ومما سأله عنه :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
« 3 » ، فقال ابن عباس : تأويله هذا ، القرآن هكذا جاء ، ولا أحفظ عليه شاهدا عن ابن عباس ، وأنا أحسبه أنه لم يقبله إلا بشاهد . وتقديره عند النحويين إذا قال ذلك الكتاب أنهم قد كانوا وعدوا كتابا . هكذا التفسير كما قال جل ثناؤه :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
« 4 » . يعني بذاك اليهود ، وقال : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فمعناه : هذا الكتاب الذي كنتم تتوقّعونه .
وبيت - خفاف ابن ندبة على ذلك يصح معناه . وكان من خبره أنه غزا مع معاوية بن عمرو أخي خنساء مرّة وفزارة فعمد ابنا حرملة دريد وهاشم المريّان عمد معاوية « 5 » . فاستطرد له أحدهما فحمل عليه معاوية فطعنه وحمل الآخر على معاوية فطعنه متمكنا ، وكان صميم الخيل . فلما تنادوا : قتل معاوية ! قال خفاف بن ندبة - وهي أمه ، وكانت حبشية ، وأبوه عمير أحد بني سليم بن منصور - قتلني اللّه إن رمت حتى أثأر به ، فحمل على مالك بن حمار ، وهو سيد بني شمخ بن فزارة فطعنه فقتله . فقال خفاف بن ندبة :
وإن تك خيلي قد أصيب صميمها * فعمدا على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوي وقد خام « 6 » صحبتي * لأبني مجدا أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنه * تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا
هامش
( 1 ) الهدهد قناء : أي عالم بمواضع الماء في الأرض .
( 2 ) عشي البصر : ساء وضعف .
( 3 ) سورة البقرة : الآية رقم 1 - 2 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 89 .
( 5 ) عمد : أي فعل مثل فعله .
( 6 ) خام : أي نكص .