فزوى سفيان وجهه ، وأومأ بيده أن كفّ وقال : حلالا حلالا . ولقي ابن أبجر عطاء بن أبي رباح وهو يطوف ، فقال : اسمع صوتا للغريض . فقال له عطاء : يا خبيث أفي هذا الموضع ؟ فقال ابن أبجر : وربّ هذه البنيّة لتسمعنّه خفية أو لأشيدنّ به . فوقف له فتغنّى :
عوجي علينا ربّة الهودج * إنّك إن لا تفعلي تحرجي
أنّى أتيحت لي يمانية * إحدى بني الحرث من مذحج
نلبث حولا كاملا كلّه * لا نلتقي إلّا على منهج
في الحج إن حجّت وما ذا منى * وأهله إن هي لم تحجج
فقال له عطاء الكثير الطيّب يا خبيث . وسمع سليمان بن عبد الملك متغنّيا في عسكره فقال : اطلبوه . فجاءوا به فقال : أعد ما تغنّيت فتغنى واحتفل ، وكان سليمان مفرط الغيرة ، فقال لأصحابه : واللّه لكأنها جرجرة « 1 » الفحل في الشول « 2 » ، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلّا صبت . ثم أمر به فخصي . وحدّثت أن الفرزدق قدم المدينة ، فنزل على الأحوص بن عبد اللّه بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، فقال له الأحوص : ألا أسمعك غناء من غناء القرى . فأتاه بمغنّ فجعل يغنيه . فكان مما غنّاه :
أتنسى إذ تودّعنا سليمى * بفرع بشامة سقي البشام « 3 »
ولو وجد الحمام كما وجدنا * بسلمانين لاكتأب الحمام
فقال الفرزدق : لمن هذا ؟ فقالوا : لجرير . ثم غناه :
اسرى لخالدة الخيال ولا أرى * شيئا الذّ من الخيال الطارق
إن البلية من تملّ حديثه * فانقع فؤادك من حديث الوامق
هامش
( 1 ) الجرجرة : صدت البعير عند الضحى .
( 2 ) الشوال : بفتح : فسكون ، النوق التي شال لبنها وارتفع ويكون ذلك بعد سبعة أشهر من حملها أو ولادتها ومفرده شائلة وهو جمع على غير قياس .
( 3 ) البشام : شجر طيب الريح .