فأوثق وأراد ضربه فقال له الأحوص : دعني فلا واللّه لا أهجو زبيريّا أبدا .
فحله ثم قال : إني واللّه ما لمتك على مزحك ولكني أنكرت قولك :
وفي بيته مثل الغزال المريب وحدّثت أن ابن أبي عتيق ذكر له أن المخنّثين بالمدينة خصوا ، وإنه خصي الدلال فيهم فقال : أنا له ، وأما واللّه لئن فعل ذلك به لقد كان يحسن :
لمن ربع بذات الجي * ش « 1 » أمسى دارسا خلقا
ثم استقبل ابن أبي عتيق القبلة يصلي ، فلما كبّر سلّم ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : اللهم إنه كان يحسن خفيفه فأما ثقيله فلا . اللّه أكبر . وحدّثت أن مدنيّا كان يصلي مذ طلعت الشمس إلى أن قارب النهار أن ينتصف ومن ورائه رجل يتغنّى ، وهما في مسجد رسول اللّه ، فإذا رجل من الشرط قد قبض على المغني فقال : أترفع عقيرتك بالغناء في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذه .
فانفتل « 2 » المدنيّ من صلاته ، فلم يزل يطلب إليه فيه حتى استنقذه ، ثم أقبل عليه فقال : أتدري لم شفعت فيك ؟ قال : لا ، ولكني إخالك رحمتني . قال :
إذا فلا رحمني اللّه . قال : فأحسبك عرفت قرابة بيننا . قال : إذا فقطعها اللّه .
قال : فليد تقدمت مني إليك . قال : لا واللّه ولا عرفتك قبلها . قال : فخبّرني .
قال : لأني سمعتك غنّيت آنفا فأقمت واوات معبد ، أما واللّه لو أسأت التأدية لكنت أحد الأعوان عليك . والصوت الذي ينسب إلى واوات معبد شعر الأعشى الذي يعاتب فيه يزيد بن مسهر الشيباني ، وهو قوله :
هريرة ودّعها وإن لام اللائم * غداة غد أم أنت للبين واجم « 3 »
لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضّى لبانات « 4 » ويسأم سائم
هامش
( 1 ) بذات الجيش : واد قرب المدينة فيه انقطع عقد عائشة رضي اللّه عنها .
( 2 ) انفتل المدني في صلاته أي انصرف عنها وتحول .
( 3 ) الواجم : العبوس المطرف لشدة الحزن .
( 4 ) اللبانات : بالضم الحاجات من غير فاقة واحدها لبانة .