وجبر بن حبيب هو المخطئ لأن الغرار هاهنا هو الحدّ ، وذهب جبر إلى أنه المثال ، وقد يكون المثال وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل معاني ، يقال :
بنوا بيوتهم على غرار واحد أي على مثال واحد كما قال عمرو بن أحمر الباهلي :
وضعن وكلّهنّ على غرار * هجان « 1 » اللون قد وسقت « 2 » جنينا
( الرواية عن أبي العباس وضعن بفتح الضاد والواو والصحيح وضعن بضم الواو وكسر الضاد ) ويقال : لسوقنا درّة وغرار أي نفاق وكساد ، فهذا معنى آخر وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الأخير أنه شيء بعد شيء ومن هذا : غارّ الطائر فرخه لأنه إنما يعطيه شيئا بعد شيء ، وكذلك غارّت الناقة في الحلب ، ويقال من هذا ما نمت إلا غرارا ، قال الشاعر :
ما أذوق النوم إلا غرارا * مثل حسو « 3 » الطير ماء الثماد « 4 »
فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه . وقوله : يهاب حميّاه الألدّ المداعس ، فأصل الحميّا إنما هي صدمة الشيء ، يقال : فلان حامي الحميّا ، ويقال : صدمته حميّا الكأس ، يراد بذلك سورتها . وقوله الألدّ فأصله الشديد الخصومة ، يقال خصم ألدّ أي لا ينثني عن خصمه .
قال اللّه عز وجل :
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
« 5 » ، كما قال :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
« 6 » وقال مهلهل :
إنّ تحت الأحجار حزما وجودا * وخصيما ألدّ ذا معلاق
ويروى مغلاق فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجّة على الخصم ، ومن
هامش
( 1 ) الهجان : الإبل البيض .
( 2 ) وسقت : حملت .
( 3 ) حسو الماء : أخذ الماء شيئا بعد شيء .
( 4 ) الثماد : الماء القليل . هنا شبيه حاله في النوم ، ينقطع عنه مرة ويهجم عليه أخرى كالطائر يحسو ماء الثماد .
( 5 ) سورة مريم : الآية 97 .
( 6 ) سورة الزخرف : الآية 58 .