والملح ، ولم يكدّر صافي العيش على طلابه ، واستشهدوا لصحّة خبر مطعم « 1 » بأثر لبابه ، وأبرز ما يعجز البيساني وصفه حين علا على المنبر بسنجابه ، وصفّق وجهه على النخّال ، فلم يتحدث بعدها فشارا في نخال « 2 » ، والخزّان صكته أصابع الوفاء وأحرقته نار التسعير ، وصدمه الرخاء في هذه الأيام بصدر كبير ، والطحّان علم له علامات الطيّب وأقعده على حجره فحيّر العقول بما أظهره من الدقائق ، الطبّاخ قعد له الدست وأمسى سعيد النصبة وأظهر المخافي وقلوب أمثاله في الصدور خوافق ، والروّاس لم يسلق بعدها بلسان ، ولا غمّ مسلما وخشي على رأسه من الأدب ، والزلباني صدّق علم الكيمياء كما قيل « 3 » : [ من البسيط ]
ألقى العجين لجينا من أنامله * فاستحال شبابيكا من الذهب
والجبّان خشي أن يمسي « 4 » في الجبّانة فودّع ما فسد من جبنه وقلى . والفوّال تفاءل بالخيرات فأدار أقداحه في الاصطباح « 5 » والاغتباق ، وأفرح « 6 » كل فريق « 7 » وملا .
والشرائحي أصلح آنيته وبيّضها فأمست في الأيدي كالأنجم السيارة ، وقال لقدوره :
« هذا قدوريّ زمانه والمختار لهذا المذهب ، فتفقهي في الغسل وكتاب الطهارة » ، والنقانقي أحسن تقطيعه في المديد ومدّ ما هو من حبال الشمس أبهج ، وتحالى في حشو نظمه ، وقال أهل الأدب أنه أحلى من حشو اللّوزينج « 8 » ، وظهر من محاسن الشوّاء كل بديع حين تأدب ، وخشي السقّاء أن يمسي صريع الدلاء ، وتروى أخباره مع الراوية « 9 » ، فأتى من الصافي بما يغنّى عليه ويشرب ، والشرابيّ صفا شربه وقصده الشرب فأدار الكأس ، وأمست برّانيه
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ
هامش
( 1 ) خبر مطعم : طب : خير مظعم .
( 2 ) فشارا في نخال : ها : فشار في انخال .
( 3 ) في ديوان ابن الرومي 1 / 353 رقم 273 ، وجاءت رواية البيت على الشكل التالي :يلقي العجين لجينا من أنامله * فيستحيل شبابيكا من الذهب( 4 ) يمسي : تو ، قا ، ها ، با : يمشي .
( 5 ) فأدار أقداحه في الاصطباح : ها : اندرجاجه في الاصطلاح .
( 6 ) أفرح : ها : افرع .
( 7 ) فريق : تو ، قا ، ها ، بر : فقير .
( 8 ) حشو اللوزينج : ها : حشي الليوزج .
( 9 ) الراوية : تو : الرواة ؛ ها : الرواة .