المحاجر ، وبان « 1 » الزّحاف في خببها وسريعها ولم تفرح بعده في نظم البحرين بوقع حافر .
وكان الرمح قد تطاول فرحا به « 2 » وها هو اليوم بسجن الأحزان معتقل ، ومقل السيوف أرمدها الصدى وتقرّحت أجفانها من رمد تلك المقل ، ولم تصل سهام القسيّ بعده إلى غرض ، وقصت « 3 » أجنحة ريشها وسقطت من كبد القوس فاصفرّ لونه كأنما اعتراه مرض ، وقال خادم جواده إنه : [ من الكامل ]
لو كان يعلم ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلّمي « 4 »
لكنه مذ غاب فارسه بكى * شكا إليّ بعبرة وتحمحم « 5 »
ولم لا يشكو فقده وهو الفارس الذي ، شعر [ من البسيط ]
إن جسّ عودا رأيت الخيل راقصة * كأنها في سماع هزّها النغم
أو حرّكت يده اليمنى له وترا * على أعاديه غنّى البوم والرّخم
وكان روض صباه يانعا نضرا * لكن بإقدامه كم شابت اللّمم
وساق كلّ عصاة الروم خاضعة * يمشي إلينا وقد زلّت بها القدم
فالخيل والليل والبيداء تندبه * والسيف والرمح والقرطاس والقلم « 6 »
علا نعشه فأخذت بنات نعش حظها من عزائه ، ومشى على الماء من دموع الناس فاستوت المياه والأخشاب عند بكائه . وصلّينا عليه وعلى المحاسن يوم الجمعة ، وماتت مكارم الأخلاق لموته فدفنت معه . وترفّعت تربته على الشهب لما ضمّت الكرم ولطف تلك الشمائل . وبقعة فيها مقام إبراهيم لا بدع أن تفاخر الشهب حصباؤها والجنادل . فرحم اللّه ذلك الصارم « 7 » الذي قطع مسرّاتنا بعده ، وتجاوز الحزن عندنا لفقده « 8 » حدّه . ولقد رمنا رجوع الناس عن شدة الحزن عليه علما بأنهم سامعون ، فقالوا عند إقبال مصيبته :
إِنَّا لِلَّهِ
هامش
( 1 ) بان : ها : بات .
( 2 ) فرحا به : تو : فرجاته .
( 3 ) قصت : ها : قصه .
( 4 ) البيت رقم 76 من معلقة عنترة بن شداد برواية ديوانه ، أما رواية الزوزني والأنباري فهي : يدري .
( 5 ) تحمحم : طب : تجمجم .
( 6 ) قارن بمضمون البيت الثاني والعشرين من ميمية المتنبي في عتاب سيف الدولة ، شرح الواحدي للديوان 3 / 369 .
( 7 ) الصارم : قا : الغصن .
( 8 ) لفقده : طب ، تو : بفقده .