يفتدى بمالي وروحي كنت أول فادي فلقد كان كما قال أبو تمام : « 1 » [ من الخفيف ]
زهرة غضّة تفتّح « 2 » عنها المج * د في منبت أنيق الجناب
أنزلته الأيام عن ظهرها من * بعد ما حطّ « 3 » رجله في الرّكاب
وحكى الصارم المحلّى سوى أ * نّ حلاه جواهر الآداب
أسبل اللّه عليه شآبيب الرحمة والغفران ، وأسبغ عليه جلابيب الرأفة والرضوان .
ولقد كاد « 4 » المملوك يقضي أسى من شدة ما تألّم ، ولكنّ اللّه سلّم ، بأن أطفأ من لهيبه ، وسكّن بعض وجيبه ، وبسط أمله ورجاءه ، بما أمّله من دوام الأيام الشريفة وارتجاءه .
فهي الأيام التي بها إعزاز القبلتين ، وإجلال الحرمين الشريفين ، أيّد اللّه تعالى تأييدها ، وأبّد « 5 » تأبيدها ، وجعلها وارثة بقية الأعمار والآجال ، وسدّ عنها طرق الحوادث حتى لا يبقى إلى التطرق إلى حماها مجال . وإذا علم تحتّم حلول هذه الحال ، وأنها نهاية محطّ الرّحال ، فأولاها موضعا ، وأطلاها موقعا . ما حذفت به الفضلة لإبقاء العمدة ، وإذا سلم السيف فلا عهدة على من لصونه أتلف غمده . واقتداء الأكابر بالصغار « 6 » ، كاقتداء الأصول بالثمار . ولقد عزّ واللّه على المملوك كونه معزّيا ، وبرغمه أنه أصبح مسلّيا ، مع تحقيقه أن مقام مولانا السلطان أسمى من أن تؤنسه المنح بالعطايا ، أو تؤنسه المحن بالرزايا ، لأنه أسبق إلى ادّراع « 7 » الصبر ، وتجليب الشكر ، والارتداء بأردية الاستسلام ، والاقتداء بسنّة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأولى مقتد بسبيل ذي الخلق العظيم ، وأحق متأسّ عند وفاة ابنه إبراهيم . لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة ، ولولا ورود السنة الشريفة * بتعزية المصاب ، لم تكن للمملوك طاقة على هذا الباب . واللّه تعالى يجعل الحياة الشريفة * « 8 » عوضا عن كل فقيد وبدلا
هامش
( 1 ) « ديوان أبي تمام » ج 4 ص 45 .
( 2 ) تفتّح : نفس المرجع : تفتّق .
( 3 ) بعد ما حط : نفس المرجع : إثبات .
( 4 ) كاد : طب ، ها : كان .
( 5 ) ابد : طب ، تو ، قا : أيد .
( 6 ) الصغار : تو ، ها : الأصاغر .
( 7 ) أدراع : ها : افراغ .
( 8 ) ما بين النجمتين ساقط من ها .