الحاكم بالجور على الرعايا ، أدخل الله النقص في أموالهم ، حتى الزروع والضروع .
قال أبوها : فإذا كان الأمر كذلك فلا مقام لنا في هذه الممالك ، فالأولى أن نتحول عن هذا المكان إلى مقام لا يضمر فيه سوء لرعيته السلطان ، ونستريح في ظل حاكمه ونرعى في مسارح مكارمه . كل هذا وبهرام يصغى إلى هذا الكلام .
فقالت البنت : إن كان ولا بد من الانتقال واقتعاد مطية الارتحال فما نصنع بهذه الأثقال والأزواد الثقال ، نقدم لهذا الضيف منها يحصل التخفيف عنها ، ويقع بذلك فائدتان ، إحداهما : حسن المضيف . وثانيتهما : التخفيف .
فامتثل أبوها أمر بنته ، ونقل إلى الضيف ما حواه ببيته من طعام وشراب ونقل « 1 » وكباب ، وبسط بساط النشاط ، وأخذ في دواعي الانبساط ، وانتقل من المحاشمة إلى المكالمة والمنادمة ، وعمل بموجب ما قيل :
وما بقيت من اللذات إلّا * أحاديث الكرام على المدام « 2 »
فلما هجم جيش السّكر ، وهزم جند العقل والفكر ، تذكر بهرام مجالسته ومؤانسته فيها ومحادثته وما فيها ، من مغازلة الغزلان ، وأصوات الأغانى والقيان « 3 » ، فأبانت حشمة السلطنة عن مضمرها ، وتفوه بشئ يلوح بمخبرها وشاقت نفسه إلى معتادها فأعرب شطحها عن مرادها ، وقال للرئيس : أيها النديم الكيس ، لو كان لنا من يطربنا بصوته ، ويبهجنا بصورته ، ولو أنها وصيفة أو ذو صورة لطيفة ، ولا نطلب زيادة عن النظر ، وحسن المفاكهة
هامش
( 1 ) ما يؤكل على الشراب كالفستق والتفاح .
( 2 ) جلسة الشراب .
( 3 ) القيان ، مفردها قينة : الأمة ذات الصوت الجميل .