وقواعد السياسة كانت تقتضى السبك ، وأحرى بالعفو والترك ؛ وأما الآن فذلك الحكم قد انتسخ « 1 » ، والفساد في قلوب العباد رسخ .
وقد قيل :
تلجى الضرورات في الأمور إلى * سلوك ما لا يليق بالأدب
ومزاج الزمان قد تغير ، والمعروف قد تنكر ، وقد أعرضوا عن طاعة السلطان ، واتبعوا مخادعة الشيطان ، وكل منهم قد شرخ وباض الشيطان في أذنه وفرخ « 2 » ، وتصور لخيالاته الفاسدة ومحالاته الكاسدة أنه بما يكيد يبلغ ما يريد وهيهات وشتان :
لقد هزلت حتّى بدا من هزالها * كلاها وحتّى سامها كلّ مفلس « 3 »
وهذا كما قال الله تعالى
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
[ النساء : 120 ] .
وما شعروا أن الملوك والسلاطين ممن اختاره الله تعالى ، وألبسه من خلع جبروته كمالا وجلالا ، وجعلهم بأموره قائمين وبعين عنايته ملحوظين ، وكما أن الرسل والأنبياء والسادة الأعلام الأصفياء هم صفوة الله من خليقته ، ومختاروه من خير بريته ، من غير كد ولا جهد ، ولا سعى منهم ولا جد ، ما برطلوا « 4 » على النبوّة والرسالة ، ولا رشوا على نيل هذه الكرامة والنبالة ؛ إنما هو محض فضل من الله تعالى وعناياته
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] .
هامش
( 1 ) بطل وألغى .
( 2 ) أي تملكه الشيطان .
( 3 ) كلاها : قرب هلاكها . وسامها المساومة على الشراء .
( 4 ) البرطلة : الرشوة . أي ما قاموا بها حتى يحصلوا على النبوة والرسالة .