تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
عليه قال له : إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكف عنا ! فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك . وذكروا أن عثمان صلى العصر ثم خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان معه ، فرآه ثقيلا ؛ فقال : أما واللّه لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلم به ، واللّه ما أدري أي يوميك أحبّ إليّ أو أبغض ، أيوم حياتك أو يوم موتك ! أما واللّه لئن بقيت لا أعدم شامتا يعدّك كنفا « 1 » ، ويتخذك عضدا « 2 » ؛ ولئن مت لأفجعن بك ؛ فحظي منك حظ الوالد المشفق من الولد العاق : إن عاش عقه ، وإن مات فجعه ! فليتك جعلت لنا من أمرك علما نقف عليه ونعرفه ، إمّا صديق مسالم ، وإمّا عدوّ معان ، ولم تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد ، ولا يهبط برجل ! أما واللّه لئن قتلتك لا أصيب منك خلفا ، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفا : وما أحب أن أبقى بعدك ! . قال مروان : إي واللّه ، وأخرى ، إنه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا وتقطع سيوفنا ؛ فما خير العيش بعد هذا ؟ فضرب عثمان في صدره وقال : ما يدخلك في كلامنا ؟ فقال عليّ : إني واللّه في شغل عن جوابكما ، ولكني أقول كما قال أبو يوسف
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
« 3 » . وقال عبد اللّه بن العباس : أرسل إليّ عثمان فقال لي : اكفني ابن عمّك ! فقلت : إن ابن عمي ليس بالرجل يرى له ولكنه يرى لنفسه ، فأرسلني إليه بما أحببت . قال : قل له فليخرج إلى ماله بينبع ، فلا أغتم به ولا يغتم بي فأتيت عليا فأخبرته ، فقال : ما اتّخذني عثمان إلا ناصحا . ثم أنشد يقول :
فكيف به أنّي أداوي جراحه * فيدوى فلا مل الدواء ولا الداء
أما واللّه إنه ليختبر القوم ، فأتيت عثمان ، فحدّثته الحديث كله إلا البيت الذي أنشده وقوله إنه ليختبر القوم ؛ فأنشد عثمان :
هامش
( 1 ) الكنف : الجناح والظل ، وكنفا الرجل حصناه عن يمينه وشماله . ( 2 ) العضد : المعين . ( 3 ) سورة يوسف الآية 18 .