تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة ، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب ، فقال له أصحاب محمد : ما قصتك وما شأنك ؟ كأنك هارب أو طالب ! فقال : أنا غلام أمير المؤمنين ، وجّهني إلى عامل مصر . فقالوا : هذا عامل مصر معنا . قال : ليس هذا أريد . وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر ، فبعث في طلبه فأتي به ؛ فقال له : غلام من أنت ؟ قال : فأقبل مرة يقول : غلام أمير المؤمنين ، ومرة : غلام مروان ؛ حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان ، فقال له محمد : إلى من أرسلت ؟ قال : إلى عامل مصر . قال : بما ذا ؟ قال : برسالة . قال : معك كتاب ؟ قال : لا . ففتشوه فلم يوجد مع شيء إلا إداوة « 1 » قد يبست فيها شيء يتقلقل ، فحركوه ليخرج فلم يخرج ، فشقّوا الإداوة ، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح ، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ثم فك الكتاب بمحضر منهم ، فإذا فيه : إذا جاءك محمد وفلان فاحتل لقتلهم ، وأبطل كتابهم ، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي ، واحتبس من جاء يتظلم منك ، ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء اللّه . فلما قرءوا الكتاب فزعوا وعزموا على الرجوع إلى المدينة ، وختم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه ، ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم ، وقدموا المدينة ، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام ، وأقرءوهم الكتاب فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان ، وازداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر ، غضبا وحنقا ؛ وقام أصحاب النبي عليه السلام فلحقوا منازلهم ، ما منهم أحد إلا وهو مغتمّ بما قرءوا في الكتاب ، وحاصر الناس عثمان ، وأجلب عليه محمّد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم وأعانه طلحة بن عبيد اللّه على ذلك ، وكانت عائشة تحرّضه كثيرا ، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ، ونفر من
هامش
( 1 ) الإداوة : إناء صغير يحمل فيه الماء .
العقد الفريد — صفحة 40 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي