ثم استشار ذا النّهى والحجر * من صحبه ومن رجال الثّغر
فكلّهم أشار أن لا يدربا * ولا يجوز الجبل المؤشّبا
لأنه في عسكر قد انخرم * بندب كلّ العرفاء والحشم
وشنّعوا أنّ وراء الفجّ * خمسين ألفا من رجال العلج
فقال لا بدّ من الدّخول * وما إلى حاشاه من سبيل
وأن أديخ أرض بنبلونة * وساحة المدينة الملعونة
وكان رأيا لم يكن من صاحب * ساعده عليه غير الحاجب
واستنصر اللّه وعبّى ودخل * فكان فتحا لم يكن له مثل « 1 »
لمّا مضى وجاز الدّروبا * وادّرع الهيجاء والحروبا « 2 »
عبّى له علج من الأعلاج * كتائبا غطّت على الفجاج « 3 »
فاستنصر الإمام ربّ الناس * ثم استعان بالنّدى والباس
وعاذ بالرّغبة والدعاء * واستنزل النّصر من السّماء
فقدم القوّاد بالحشود * وأتبع المدود بالمدود
فانهزم العلج وكانت ملحمه * جاوز فيها السّاقة المقدّمة « 4 »
فقتلوا مقتلة الفناء * فارتوت البيض من الدّماء
ثم أمال نحو بنبلونة * واقتحم العسكر في المدينة
حتى إذا جاسوا خلال دورها * وأسرع الخراب في معمورها
بكت على ما فاتها النّواظر * إذ جعلت تدقّها الحوافر
لفقد من قتّل من رجالها * وذلّ من أيتم من أطفالها
فكم بها وحولها من أغلف * تهمي عليه الدمع عين الأسقف « 5 »
هامش
( 1 ) عبأ الشيء : هيأه . وعبّى : عبأ . والمراد هنا تعبئة الجيوش وتهيأتها للحرب .
( 2 ) ادّرع الحروب : خاض غمارها .
( 3 ) الفجاج : جمع الفجّ ، وهو الطريق الواسع البعيد .
( 4 ) الساقة من الجيش : مؤخّره .
( 5 ) الأغلف : الذي لا يعي .