له قائده كلمة فيها بعض الغلظ ، ثم ندم على ما كان منه ، فجعل يتضرع ويتنصّل إليه . فقال له أبو مسلم : لا عليك ، لسان سبق ، ووهم أخطأ ، إنما الغضب شيطان ، وإنما جرّأتك عليّ لطول احتمالي عنك ، فإن كنت للذنب متعمّدا ففقد شاركتك فيه ، وإن كنت مغلوبا فإن العذر يسعك ، وقد عفونا على كل حال . فقال : أصلح اللّه الأمير ، إنّ عفو مثلك لا يكون غرورا . قال : أجل . قال : فإنّ عظم الذنب لا يدع قلبي يسكن . وألح في الاعتذار . فقال له أبو مسلم : عجبا لك ! إنك أسأت فأحسنت ، فلما أحسنت أسيء .
المأمون وأبو دلف وقد رضي عنه :
دخل أبو دلف على المأمون ، وقد كان عتب عليه ثم أقاله ، فقال له وقد خلا مجلسه ؛ قل أبا دلف ، وما عسيت أن تقول وقد رضي عنك أمير المؤمنين وغفر لك ما فعلت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين .
ليالي تدني منك بالبشر مجلسي * ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرّة * إليّ بها في سالف الدهر تنظر
قال المأمون : لك بها رجوعك إلى المناصحة ، وإقبالك على الطاعة . ثم عاد له إلى ما كان عليه .
بين المأمون وأبي دلف :
وقال له المأمون يوما : أنت الذي تقول :
إنّي امرؤ كسرويّ الفعال * أصيف الجبال وأشتو العراقا
ما أراك قدّمت لحقّ طاعة ، ولا قضيت واجب حرمة ! قال له يا أمير المؤمنين إنما هي نعمتك ونحن فيها خدمك ، وما هراقة دمي في طاعتك إلا بعض ما يجب لك .
ودخل أبو دلف على المأمون . فقال : أنت الذي يقول فيك ابن جبلة :
إنّما الدنيا أبو دلف * بين باديه ومحتضره