من نظرت عينه إليّ فقد * أحاط علما بما حوته يدي
وكان أبو الشّمقمق الشاعر أديبا طريفا محارفا « 1 » صعلوكا متبرّما ، قد لزم بيته في أطمار مسحوقة ، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه خرج ، فنظر من فرج الباب ، فإن أعجبه الواقف فتح له ، وإلّا سكت عنه ، فأقبل إليه بعض إخوانه فدخل عليه ، فلما رأى سوء حاله ، قال له : أبشر أبا الشمقمق ، فإنا روينا في بعض الحديث أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة . قال : إن كان واللّه ما تقول حقا لأكونن بزّازا يوم القيامة ، ثم أنشأ يقول .
أنا في حال تعالى للّه * ربي أيّ حال
ولقد أهزلت حتى * محت الشمس خيالي
من رأى شيئا محالا * فأنا عين المحال
ليس لي شيء إذ قي * ل لمن ذا قلت ذا لي
ولقد أفلست حتى * حلّ أكلي لعيالي
في حر امّ الناس طرّا * من نساء ورجال
لو أرى في الناس حرّا * لم أكن في ذا المثال
وقال أيضا :
أتراني أرى من الدهر يوما * لي فيه مطيّة غير رجلي
كلما كنت في جميع فقالوا * قرّبوا للرّحيل قرّبت نعلي
حيثما لا أخلّف رحلا * من رآني فقد رآني ورحلي
وقال أيضا :
لو قد رأيت سريري كنت ترحمني * اللّه يعلم ما لي فيه تلبيس « 2 »
واللّه يعلم ما لي فيه شابكة * إلّا الحصيرة والأطمار والدّيس « 3 »
هامش
( 1 ) المحارف : المحدود المحروم ، أو الذي لا يصيب خيرا أنّي توجّه .
( 2 ) التلبيس : أي ليس عنده شيء ممّا يكسو به السّرير ويلبسه إيّاه .
( 3 ) الشابكة : أي شيء مضموم بعضه إلى بعض ، والدّيس : هو المعروف في مصر « بالسمار » .