وقال أيضا :
برزت من المنازل والقباب * فلم يعسر على أحد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي * سماء اللّه أو قطع السّحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتي * عليّ مسلّما من غير باب
لأني لم أجد مصراع باب * يكون من السّحاب إلى التّراب
ولا انشقّ الثرى عن عود تخت * أؤمّل أن أشدّ به ثيابي
ولا خفت الإباق على عبيدي * ولا خفت الهلاك على دوابي « 1 »
ولا حاسبت يوما قهرمانا * محاسبة فأغلط في حسابي « 2 »
وفي ذا راحة وفراغ بال * فدأب الدهر ذا أبدا ودابي
وفي كتاب للهند : ما التّبع والإخوان والأهل والأصدقاء والأعوان والحشم إلا مع المال ، وما أرى المروءة يظهرها إلا المال ، ولا الرأي والقوة إلا المال ، ووجدت من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمرا قعد به العدم ، فيبقى مقصّرا عما أراد ، كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الصيف ، فلا يجري إلى بحر ولا نهر ، بل يبقى مكانه حتى تنشفه الأرض ؛ ووجدت من لا إخوان له لا أهل له . ومن لا ولد له لا ذكر له ، ومن لا عقل له لا دنيا له ولا آخرة له ، ومن لا مال له لا شيء له ؛ لأن الرجل إذا افتقر رفضه إخوانه وقطعه ذو رحمه ، وربما اضطرته الحاجة لنفسه وعياله إلى التماس الرزق بما يغرّر فيه بدينه ودنياه ، فإذا هو قد خسر الدنيا والآخرة ، فلا شيء أشدّ من الفقر ، والشجرة النابتة على الطريق المأكولة من كل جانب أمثل حالا من الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس . والفقر داع صاحبه إلى مقت الناس ، ومتلف للعقل والمروءة ، ومذهب للعلم والأدب ، ومعدن للتهمة ، ومجمع للبلايا ؛ ووجدت الرجل إذا افتقر أساء به الظنّ من كان له مؤتمنا ، وليس من خصلة هي للغنىّ مدح وزين إلا وهي للفقير ذمّ وشين ؛ فإن كان شجاعا قيل أهوج ، وإن كان جوادا قيل
هامش
( 1 ) الإباق : الهرب .
( 2 ) القهرمان : المسؤول عن العبيد وغير ذلك .